Yahoo!

 <script>

 
/*
Always-on-top message Script-
Dynamic Drive (www.dynamicdrive.com)
// Visit http://www.star28.com/ for more code
// Translated By http://www.star28.com/
*/
 
// الخيال حقيقة لا تفنى HTML
var message='<b><font face=Arial color=000000 size=5>ضع النص هنا</font></b>';
 
// ضع لون الخلفية الأول
var backgroundcolor="yellow";
 
//enter 0 for always display, 1 for a set period, 2 for random display mode
var displaymode=0;
 
//if displaymode is set to display for a set period, enter the period below (1000=1 sec)
var displayduration=10000;
 
// اذا أردت أن لا يومض النص غير القيمة الى 0
var flashmode=1;
// ضع لون الخلفية الآخر
var flashtocolor="LIME";
 
 
///////////////do not edit below this line////////////////////////////////////////
 
function regenerate(){
window.location.reload();
}
 
var which=0;
 
function regenerate2(){
if (document.layers)
setTimeout("window.onresize=regenerate",400);
}
 
 
function display2(){
if (document.layers){
if (topmsg.visibility=="show")
topmsg.visibility="hide";
else
topmsg.visibility="show";
}
else if (document.all){
if (topmsg.style.visibility=="visible")
topmsg.style.visibility="hidden";
else
topmsg.style.visibility="visible";
setTimeout("display2()",Math.round(Math.random()*10000)+10000);
}
}
 
function flash(){
if (which==0){
if (document.layers)
topmsg.bgColor=flashtocolor;
else
topmsg.style.backgroundColor=flashtocolor;
which=1;
}
else{
if (document.layers)
topmsg.bgColor=backgroundcolor;
else
topmsg.style.backgroundColor=backgroundcolor;
which=0;
}
}
 
 
if (document.all){
document.write('<span id="topmsg" style="position:absolute;visibility:hidden">'+message+'</span>');
}
 
 
function logoit(){
document.all.topmsg.style.left=document.body.scrollLeft+document.body.clientWidth/2-document.all.topmsg.offsetWidth/2;
document.all.topmsg.style.top=document.body.scrollTop+document.body.clientHeight-document.all.topmsg.offsetHeight-4;
}
 
 
function logoit2(){
topmsg.left=pageXOffset+window.innerWidth/2-topmsg.document.width/2;
topmsg.top=pageYOffset+window.innerHeight-topmsg.document.height-5;
setTimeout("logoit2()",90);
}
 
function setmessage(){
document.all.topmsg.style.left=document.body.scrollLeft+document.body.clientWidth/2-document.all.topmsg.offsetWidth/2;
document.all.topmsg.style.top=document.body.scrollTop+document.body.clientHeight-document.all.topmsg.offsetHeight-4;
document.all.topmsg.style.backgroundColor=backgroundcolor;
document.all.topmsg.style.visibility="visible";
if (displaymode==1)
setTimeout("topmsg.style.visibility='hidden'",displayduration);
else if (displaymode==2)
display2();
if (flashmode==1)
setInterval("flash()",1000);
window.onscroll=logoit;
window.onresize=new Function("window.location.reload()");
}
 
 
function setmessage2(){
topmsg=new Layer(window.innerWidth);
topmsg.bgColor=backgroundcolor;
regenerate2();
topmsg.document.write(message);
topmsg.document.close();
logoit2();
topmsg.visibility="show";
if (displaymode==1)
setTimeout("topmsg.visibility='hide'",displayduration);
else if (displaymode==2);
display2();
if (flashmode==1)
setInterval("flash()",1000);
}
 
 
if (document.layers)
window.onload=setmessage2;
else if (document.all)
window.onload=setmessage;
 
</script>
 

العامية في رواية سوق النساء: الوظيفة والدلالات

كتبهايوسف الإدريسي ، في 25 يوليو 2011 الساعة: 16:43 م

 

     

      

        تمهيد: 

      لعل من أبرز الملاحظات التي يسجلها القارئ لرواية جمال بوطيب :سوق النساء أو ص.ب:26 " [2]كونها  تتعالق -ابتداء من عنوانها ومرورا عبر متنها الحكائي وانتهاء بعناوين فصولها -مع العامية، فتستعيد بعض عباراتها أو أغانيها أو أشعارها أو أمثالها وتوظفها بأسلوب حَرْفي، أو بعد تعديل عباراتها أو تحويرها، وذلك لبناء عالمها التخييلي وتشكيله.

     ويتخذ حضور العامية في "سوق النساء" مستويات متعددة تتراوح بين:

1-            عامية مشتركة بين كل المغاربة.

2-            عامية مقصورة على مناطق وجهات بالمغرب دون أخرى.

3-    عامية خاصة ببلدان عربية دون سواها، ويمكن التمييز في هذه الأخيرة بين صيغ وأساليب متفاوتة أيضا بالنظر إلى المنطقة التي قيلت فيها أو الجيل الذي رددها إلى غير ذلك…

    و لعل ما يضفي على ذلك الحضور –أقصد حضور العامية في عمل روائي- قيمة وجمالية أكبر، وعي صاحبِه أنه بصدد كتابة نص فصيح، وحرصه على تشكيله بلغة شاعرية يمثل التخييل فيها قوام الحكي وأساسه، ومن هنا تأتي قيمة توظيف نوع رابع يمكن قراءته بالعامية أو بلغة فصيحة أيضا، وهو ما يعرف باللغة الثالثية.

    وإذا كان العنوان – كما تواضعت على ذلك أدبيات "عتبات النص" في اللغات الواصفة- مكونا داخليا يشكل قيمة دلالية عند الدارس لكونه يمثل جزءا من النصويؤشر على معنى ما، ومن ثمة يمثل سلطة النص وواجهته الإعلامية، فإن " سوق النساء " باعتباره عنوانا أولا يشي بطبيعة العالم التخييلي الذي تدور فيه أحداث الرواية وتتحرك ضمنه شخوصها، يشكل نوعا خامسا من أنواع حضور العامية في الرواية، يتمثل في تعريب العامي وجعله فصيحا؛ إذ إن عنوان الرواية يتناص مع عنوان قصيدة: "سوق النسا" للشاعر الزجالع[3]بد الرحمن المجذوب، فيستثمره لحسابه الخاص بعد أن يضيف إليه الهمز، وهو أمر تكرر أكثر من مرة في نص الرواية كما سنبين لاحقا ، ويندرج عنده ضمن البرنامج السردي العام الذي يحكم العمل ككل.

       والمتأمل لعبارة " سوق النساء" يلاحظ أنها تقف في الحدود المتجاورة بين الخطابين اللغويين: الفصيح والعامي، إذ يمكن اعتبارها لفظة عربية فصيحة إذاتلفظنا بها دون حذف الهمزة، كما يمكن اعتبارها كلمة عامية إذا نطقنا بها دون همز - كما نقوم بذلك في كلمات مثل: السماء، المساء، الهواء…وما يقال هنا عن " سوق النساء" يصدق أيضا على العنوان الثاني للرواية: ص.ب 26، مادامت الواو هنا للتخيير وليست للعطف[4].

     ولئن كانت البنية الكلية لعنوان الرواية المزدوج تسمح بقراءته على النحوين معا، فإنها تثير لدى المتلقي –انسجاما مع وظائف العنونة التي حددتها أدبيات عتبات النص – الفضول في معرفة خصوصية هذا السوق وطبيعة علاقته بالأسواق عامة وب"سوق النسا" لعبد الرحمن المجذوب، خاصة أن السارد يذكر هذا الأخير ويبدي إعجابه بنصوصه الزجلية، بل و يتماهى معه، ويشبه ذاته به، حيث يقول بعبارات تجمع بين اللغة الفصيحة واللغة الثالثة: « عاق أنت ياقلبي. مثلك مثل قلب " سيدي عبد الرحمن المجذوب"» (ص12).  

     تشير كلمة السوق لغةً إلى: « موضع البَياعات.» وعند ابن سيدة: « السوق التي يُتعامل فيها، تذكر وتؤنث»[5]، بيد أن الكلمة هنا لا تستعمل بالمعنى المعجمي الذي تشير فيه إلى الفضاء الذي تعرض فيه السلع من شتى أنواعها للتداول، بيعا أم شراء، وأحيانا تظل دون بيع أو شراء مما يعرضها للبوارِ، ولكنها تعني نوعا خاصا وفريدا من الأسواق: إنه "سوق النساء" ، ولاشك أن العبارة هنا تحيل على قصيدة المجذوبالتي يقول فيها :

         « سوق النسا سوق مطيار يا الداخله رد بالك

          يورليو ليك من الربح قنطار ويديوا ليك راس مالك »

     إلا أن القارئ لرواية جمال بوطيب يلاحظ فرقا في القيمتين الدلالية والرمزية لسوق النساء عنده، فخلافالعبد الرحمن المجذوب الذي تتحدد عنده بوضوح العلاقات بين أطراف التداول في السوق، بصورة تُمَثل المرأة فيه بكونها ذات تتفوق على الرجل بسلطة رمزية ومادية أساسها المكر والخداع، وتصور الرجل بالمقابل بأنه دائما ضحية لحيل وألاعيب النساء، مما يجعل سلوكه مستسما بالحيطة والحذر، يكتفيبوطيب فقط باستعارة عبارة "سوق النسا" منالمجذوب ليعنون بها روايته، كما يستثمر دلالات "الخداع" و "الاحتيال" و "الإيهام" دون أن يتمكن القارئ من أن يحدد على وجه الدقة المخادِع من المخدوع، والمحتال من المحتال عليه. فهل " لبانة" هي الخادعة و "دباشي" هو المخدوع ؟ أم أن العكس هو الصحيح؟ أم أنهما معا مجرد محتالين يحترفان الحكي المخادع والوهمي، ويستلذان بكل أفعال الغواية، فيلعبان بعواطف أصدقائهما، وكل من يسمع بحكايتهما؟

      فمنذ بداية الحكي يحرص عبد الرحيم دباشـي على توقيع صكوك الإدانة، وتصويـر " لبانة الربيعي" بصورة امرأة تنصب فخاخ الغواية للرجال، وكلما أيقنت من وقوعهم في شباكها تتخلى عنهم بمنتهى السادية…والتشفي، بينما يصور نفسه بأنه ضحية لها و لحبه الصادق، تقول الأسطر الأولى للرواية…أو بالأحرى الشراك الأولى للحكي :

       « حين تأكدتْ أنها أسندتني جثة، فكت وثاقي:

-       آن لنا أن نفترق.

     قالت، بنشوة ساد يتصيد الجذالى.

      توقعتُ تراجعا ينعت كلامها بكونه دعابة سخيفة لا غير.

      لم يقع ما توقعتُ. وقعتُ.

- ليس صعبا حاول أن تنس، أرْدَفَتْ.

لمَ أحاول، ماذا يملك الميت أمام مغسله ؟؟؟ »(ص 7)

   لا يكتسي هذا المقطع قيمته من تصوير "دباشي " لنفسه بكونه ضحية فحسب، ولكن من الطريقة الإيحائية في التعبير عن ذلك أيضا، والتي يستثمر فيها مثلا شعبيا فيعربه لتصوير مأساته، وعمق فاجعته:«ماذا يملك الميت أمام مغسله ؟؟»، وهو تعريب للقول العامي: « آش يملك الميت قدام غساله ؟» ، وإذا كنا قد أشرنا من قبل إلى أن ذلك من الأسس التي تعمد إليها الرواية في التعامل مع الموروث الشعبي، فمن الواضح هنا أن السارد يوظفها لتصويـر " دباشي" على أنه سليب الإرادة أمام " لبانة"، لا يملك دفع أي مكروه، فهيامه بلبانة يقيده، وهي وحدها صاحبة القرار في اختيار  اللحظة التي تحرره فيها ، ولذلك فبمجرد ما تأكدت أنها  امتلكت روحه أيضا، قررت التخلص منه …أو بلغة الاستهلال تحريره من شراك حبها المخادع وألاعيبها بمشاعره، وهذا ما تشير إليه عبارة: " فكت وثاقي… "

       بيد أن القيمة الجمالية لهذا الاستهلال لا تنحصر ضمن هذا الحد، بل تتجاوزه إلى مستوى أعمق يضفي عليه جمالية أكثر، فقد استثمر أيضا كثيرا من الأساليب البلاغية التي تنطوي على طاقة موسيقية وبعد إيحائي عميق، وذلك لإثراء الحكي السردي وزيادة الأسلوب التخييلي للرواية عمقا وجمالية، ولعل أبرزها في هذا المقام " الجناس"، الذي وظف قيمته البلاغية للتعبير عن تحطم نفسيته وانهيار كل أحلامه وانتظاراته، وإذا كان هذا الأمر يتضح من قوله: « توقعتُ (…) لم يقع ما توقعتُ. وقعتُ»، فإنه ينجلي بجلاء من تأمل تركيب الجملة الذي ينقسم إلى ثلاث بنيات رئيسة، يمكن تسميتها بنية الأمل، وتمثلها جملة توقعت التي تنتمي زمنيا ونفسيا إلى لحظة توهج العلاقة، وبنية الاتنظار، وهي بنية أفقية محدودة في الزمان والمكان، وتتوقف بين لحظتين نفسيتين: الانتشاء أو الخيبة والإخفاق،  ثم بنية الانهيار والانكسار، وهي بنية ممتددة زمنا ومكانا، ويمكن توضيح ذلك بالخطاطة الآتية :

 

         

توقعت تراجعا ينعت كلامها بكونه دعابة سخيفة لا غير = لحظة نفسية تنتمي إلى زمن توهج العلاقة                                                    

 

 
 

 

 

لم يقع ما توقعت  ==  لحظة نفسية فاصلة بين زمني العلاقة والانفصال 

                                                       

 

وقعت ==لحظة نفسية تنتمي إلى زمن انتهاء العلاقة

                                                       

   

      ومقابل هذا المقطع الذي تستهل به الرواية محكيها، يطالعنا آخر مماثل له في الفصل الأول ممهور باسم " لبانة"، ولا يخلو عنوانه : "باب الريح" من إيحاء وترميز إلى الانفلات والتحرر …

 تحرص " لبانة " منذ البداية في هذا الفصل على تبرئة نفسها من الصورة التي حـاول " دباشي" إلصاقها بها في ذهن القارئ، فتقدم نفسها على أنها لا تعدو أن تكون ضحية ، ليس له وحده ، بل لمجتمع ذكوري، يختزل كينونة الأنثى ورمزيتها في المتعة الجنسية فحسب، وهذا ما تعبر عنه حيث تقول : «نظراتك المتوجسة شراك منصوبة لا فخاخ بعدها للإيقاع بأية امرأة تصادفك. تلقي نظراتك الماكرة الخادعة، وتخور عيناك في حياء لا تدركه أنثى-مثلي- لم تجرب من الرجال غير زوج يكبرها سنا، اكتفى بخوار ليلة الزفاف وسال لعابه على لحيته وهو ينظر إلى عذريتي وقد كلمتها فحولته، ليغرق بعدها في غياب مليء بنساء أخريات. غياب كان يفضحه وهنه كلما استلقى بجانبي على السرير.» (ص35)

      تصور "لبانة" نفسها هنا بأنها امرأة مسلوبة الإرادة لا تملك حولا ولا قوة أمام قدر لعين، ومجتمع ماكر، ورجال مخادعين لا يرون في أنثويتها غير وسيلة للإغراء…ودعوة شبقية لإشباع كل الرغبات…ومن ثمة تظل معرضة لكل أنواع الاستغلال الجنسي وغير الجنسي، سواء تعلق الأمر ب"دباشي" أم بطليقها أم بأي رجل آخر…مادام كل الرجال من طينة واحدة…ولا يلجون " سوق النساء " إلا طلبا لممارسة فتوحاتهم السريرية…

     ولا شك أن القارئ لهذا المقطع ولمقاطع كثيرة من الرواية يجد نفسه أمام شخصين كل واحد منهما يرمي الآخر بتهم الخداع والمكر والاحتيال، فما تقوله " لبانة" هنا لا يخرج –في جوهره- عن الصورة التي صور "دباشي" بها نفسه أمامها بكونه "ميت" لا يملك حولا ولا قوة أمام مغسله، ومن هنا يخيب أفق انتظار المتلقي، الذي يحار في تصديق طرف وتكذيب آخر، ومما يخيب أفقه أكثر، ويضفي بذلك على الحكي المزيد من الجمالية والإثارة، وهي من الشروط الأساس لشد انتباه المتلقي وربطه بالعالم التخييلي للرواية، توظيف السارد لعبارات من اللغة العامية أو اللغة الثالثة يبوح فيها كل واحد منهما بحقائق مغايرة لما سبق أن ادعاه، فبعد انصرام عقد العلاقة بينهما، واستقرار "لبانة" بأوربا، تحاول أن " تخفف" عن " دباشي"  صدمة الفراق، فتزاوج بين اللغتين العامية والفصحى للتعبير عن ذلك، حيث تقول :

      « (…) ثق بي، كنت كنبغيك .

       وأتجاوز التسطير على فعل الكينونة الماضي، لئلا أقاطعك، وتتابعين:

          - خصني نرجع لبروكسيل. مستقبلي ماشي معاك .

       بالأمس فقط كان معي، فهل أنت امرأتان في امرأة واحدة. أسألك.

         تقولين:

         أنا نساء في امرأة أنا مرهونة..أنا مسكونة.. أنا…» (ص 26)    

       بهذا التصريح تنكشف أمامنا حقيقة لبانة، فتتحول من كونها ضحية إلى كونها مصدر الخداع والمكر والاحتيال وليس "عبد الرحيم دباشي"، فهذا الأخير لم يكن إلا رجلا تختصر فيه كل الرجال، وبانتقامها منه تنتقم من القدر… والمجتمع … وكل الذكور… لنفسها أولا ، ولكل النساء ثانيا، وهذا ما تشير إليه بقولها: « أنا نساء في امرأة ».

         لكن السارد سرعان ما يفاجئنا –صفحة بعد ذلك-بحقيقة مذهلة تكشف وجها آخر لـ"دباشي"، إذ يعترف هذا الأخير بأن تمسكه بها و تحميله إياها المسؤولية كاملة في ما آلت إليه علاقتهما لم يكن إلا ضربا من النفاق الاجتماعي، فهو مجرد زير نساء، يعيش ويحيا من أجل المغامرات العشقية الكاذبة التي تكون المتعة الجنسية مضمونة فيها ، يقول معبرا عن ذلك: « صدقيني…صوت امرأة جميلة قد يكون عشاء لرجل مثلي يعيش على أجساد النساء.» (ص 28) . وهي الحقيقة التي عبر عنها غير مرة في مقاطع كثيرة من الرواية، إذ قال: « (…) لقد صرت مستهلكا. وجسدي لم يعد ملكا لي. لقد تساوت لدي الأشياء والأشخاص ، سريري هذا تعاقبت عليه نساء كثيرات. استهلكنني واستهلكتهن (…) »(ص71).

        فهل تتساوى " لبانة" عند " دباشي" مع كل النساء اللواتي عرفهن؟ أم أنه كان يبحث في علاقته بهن عن بعض من ملامحها؟ أم تراه كان ينتقم فعلا منها من خلال فتوحات الجنسية مع الكثيرات منهن ؟؟؟ ثم هل كانت فعلا " لبانة" ماكرة ومخادعة ؟ أم أنها بدورها ضحية لـ" دباشي" ومن خلاله لكل المجتمع الذكوري؟ وفي النهاية، من الصادق ومن الكاذب منهما؟

      تلك بعض من الأسئلة التي يجد قارئ: سوق النساء نفسه في مواجهتها كلما تقدم في متابعة الحكي، وإذا كان جمال بوطيب قد تعمد في روايته تعميقها وتأزيمها، فإنه قد أدخل شخصية غامضة ، وبشكل غير منتظر في الحكي ، فأفرد لها فصلا مستقلا وأخيرا في نهاية روايته، هو " قدري" الصديق الحميم للبانة ودباشي، وعوض أن ينير بعضا من تلك الأسئلة التي تؤرق -بأسلوب مثير- القارئ، ويحدد طبيعة العلاقة ومسؤولية كل طرف فيها على نهايتها ، يفاجئنا بحقيقة مدوية، تكشف المستور وترفع اللبس، فأول كلامه في استهلال الفصل الأخير من الرواية الذي يحمل اسمه، هو:

          « " تجلا ونلافوها" …

             "طاحت وجبرناها"

             "سقطت وألفيناها" »(ص75)

      وليس في اختيار هذه العبارات التي تتنوع بين الأمازيغية والعامية والفصحى أي اعتباطية أو مجانية في التعبير، لكونه يرمي التأكيد بأكثر من لغة أنه ببساطة لم يعد يقوى على كتمان سرهما المفجع والصادم، ولذلك قرر كشف الحقيقة/المفاجأة، والتي يلخصها « في متتاليتن:

      عبد الرحيم لم يحب يوما لبانة…

       ولا لبانة أحبته» (ص 76)

      وإذا كان "قدري" قد أخذته الشفقة على قراء الرواية، وقرر أن يخرج عن صمته ويفضح تلاعب" لبانة" و"دباشي" - وأسطر هنا على كلمة تلاعب- بخيالات قراء الرواية وعواطفهم، فأكد أنهما مجرد كائنين مخادعين تواطئا على أن يجعلا سوية البحث عن اللذة في أحضان الخيانة شعارهما في الحياة، ف« للذة يا عزيزي سبيل وحيد لا يدرك إلا في طعم الخيانة…»(ص78) كما تقول لبانة ويوافقها الرأي دباشي بابتسامته المتواطئة، إذا كان الأمر كذلك، فإن الظهور المفاجئ لهذه الشخصية الغامضة يثير الكثير من الشكوك حول شهادته، فهل نحن أمام خداع آخر من نوع مغاير؟ أم أن الحقيقة ليست كما يدعي، وأنها تظل ناقصة مادام ترتيب الحكاية لم يخضع أصلا للمنطق التراتبي الذي يقتضيه تعاقب الفصول وفق تقاليد الكتابات الأدبية والنقدية والفلسفية وغيرها، علاوة على كون الرواية تظل غير مكتملة ، حسب القاعدة السردية التي سطرها جمال بوطيب في مجموعته القصصية: الحكاية تأبي أن تكتمل !!! حيث ينبهنا السارد في آخر صفحة من الرواية على «عدم التعجل في إصدار أي حكم ، أو إبداء أي تعاطف مع عبد الرحيم دباشي أو لبانة الربيعي قبل قراءة الفصلين الرابع والسادس» (ص79).

      والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا أحالنا السارد إلى فصلين أسقطهما عمدا من الرواية ؟؟ هل هي دعوة صريحة إلى أن نعمل خيالنا، فنشارك في إتمام الحكاية من جهتنا؟؟ أم أنه تعمد ذلك ليطلع علينا لاحقا بتتمة الحكاية التي تأبى أن تكتمل في "سوق النساء" ؟؟؟ أم الأمر لا يعدو أن يكون لعبا بالخيالات…والعواطف…والعقول…؟؟؟ أم أن الحقيقة كائنة في كل ذلك ؟؟؟؟

      إذا كان الجواب الشافي على كل تلك الأسئلة وغيرها كامن في متن الرواية، فإنه حاضر منذ عنوانها عبر المحتوى الإيحائي والدلالي لكلمة " السوق" أساسا، والتي تشير إلى فضاء لممارسة الخداع والتضليل بامتياز ، فمن المعلوم أن ترويج البضاعات وضمان تسويق جيد لها، يتم - وفق منطق الماركتينغ- عبر خلق مجموعة من الأوهام لدى المتبضعين ، الذين يتم استدراجهم إلى لحظة تصديق ادعاءات المروج للبضاعة ووعوده " الكاذبة" ، وهذا ما نلاحظ أنه ينطبق إلى حد بعيد على الرواية.

      ذلك أن السارد عمد فيها – من خلال بناء الحكاية وترتيب أحداثها وفصولها- إلى اللعب، ليس بعواطف القراء و خيالاتهم، ولكن أيضا بتقنيات الكتابة السردية، وإذا كانت السطور السابقة قد تكفلت بتوضيح بعض تجليات ذلك، فمما يؤكد ذلك طريقة ترتيب فصولها وعنونتها، فعلاوة عن كونها كتبت بلغة ثالثية: رأس الخيط ، خيط الرأس، باب الريح، ريح الباب، ميثاق العشرة…والتي يمكن قراءتها باللغة الفصحى، أو بالعامية أو هما معا، يلاحظ أن الفهرس يتلاعب بتقنية الإحالة، حيث يجعل الفصل الثاني يبدأ في الصفحة 67 والفصل التاسع يبدأ في الصفحة 73، إلا أن الأمر معكوس في متن الرواية، ولا مجال للحديث عن خطأ مطبعي أو ما شابه ذلك، لأن الرواية من ألفها إلى تنبيه ساردها -مادام من الصعب الجزم بأنها كاملة- تقوم على الخداع والإيهام ….بيد أنه خداع وإيهام من طبيعة مغايرة وينسجم مع طبيعة الأدب عامة، والرواية خاصة، ورواية جمال بوطيب: سوق النساء بشكل أخص ، لأن قوامه التخييل … والإمتاع…


 

 المداخلة الراهنة جزء من دراسة نقدية تحمل عنوان: أغوار النص… تجليات تناصية في الرواية المغربية.   [1]

 
 

 جمال بوطيب : سوق النساء أو  ص. ب:26، ط1، 2006.  [2]

 

[4]   أنظر الرماني: معاني الحروف.

[5] ابن منظور: لسان العرب، مادة (سوق).

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أبحاث ودراسات, مشاركات علمية | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك


 الخيال حقيقة لا تفنى