|
ملخص
إذا كان الحجاج عند الغربيين عملية استدلال عقلي يتم فيها التقليل من قيمة التخييل، ومن قيمة الشحنة الانفعالية الضرورية في كل عملية حجاجية إقناعية، فإن تتبع مختلف أشكال توظيف الحجاج في خطابات متباينة(فلسفية وخطابية وشعرية) تبين أن لاحجاج دون تخييل مثلما أنه لا تخييل دون حجاج .
|
« لا تفكر النفس بدون صور »[1]، يختصر هذا القول الذي ورد في كتاب أرسطو: في النفس تصورا هاما يؤكد حاجة الفكر البشري الضرورية والدائمة – في مختلف أنشطته العقلية والخيالية- إلى تمثلات ذهنية لموضوع التفكير تيسر عملية ارتسامه في النفس , ومن ثم, الإحاطة به , وفي سياق شرح القول السابق أكد الفلاسفة المسلمون أن «كل ما تعقله النفس مشوب بتخيل»[2] .
ليس معنى ذلك أن أرسطو والفلاسفة المسلمين من بعده يخلطون بين عمليات الإدراك الذهني ويساوون بينها في الطبيعة والدرجة, فمن المعلوم أن التصورات الفلسفية القديمة تميز بين مختلف الأنشطة الإدراكية للذهن البشري, وترتبها ضمن سلم تصاعدي حسب تمثلها للكليات, ووفق درجة تصورها للحقائق الجوهرية في ذاتها ولذاتها, ولذلك فقد وضعوا الإدراك العقلي في أعلى المراتب , لأن النفس تتمكن فيه من تجريد الشيء عن لواحقه المادية وعوارضه الجزئية تجريدا تاما ومطلقا, وتتصور ماهيته الكلية التي تصدق على كل أجناسه[3] . وقد قصروا تبعا لذلك التفكير العقلي على هذا المستوى لأنه ضرب من التعليم الخاص تشتغل به الخاصة وصفوة المفكرين, ولأنه يتم أساسا بالطرق البرهانية اليقينية فحسب؛ بينما صنفوا الخيال ضمن أدنى مراتب الإدراك ، لكونه يتوسل في الوصول إلى المعرفة بالصور والتخاييل التي تمثل جواهر الأشياء وتسهل عملية تحصيلها في النفس .
وإذا كان ذلك يعني أن الإدراك في تصور الفلسفة الأرسطية يتم بطريقتين: العقل :وهو ماتقوم به الخاصة؛ والخيال والانفعال: وهو مايلائم طبائع العامة, فإنه يبين أن المقصود بالقولين الذين تم استهلال بهما هذا المقال التأكيد على تصور راسخ لدى أرسطو وشراحه من الفلاسفة المسلمين مؤداه: أن وظيفة التخييلات التي تمثل في الذهن صور الأنساق المجردة والأفكار البرهانية تتحدد في كونها تقيم في نفوس الجمهور والعامة رسومها بمثالاتها المناسبة لها، لأنه يصعب عليهم تمثلها بجوهرها الكلي, بينما تشغل عند الخاصة الخيالَ بما هو من جنسه, فتصرفه بذلك وتمنعه من التشويش على عملية الاستدلال البرهاني[4] .
يبدو واضحا من خلال هذا التصور أن الفلسفة الأرسطية كما قدمها أرسطو وشرحها الفلاسفة المسلمون تميز بين المعارف والخطابات بالنظر إلى طريقة إدراكها والأسلوب الموصل إليها : فثمة خطابات برهانية تقدم المعرفة اليقينية وتدرك بوساطة مقدمات صادقة ؛ وثمة خطابات لا تقوم كليا على العقل , ويتدخل الظن والاحتمال في تمثلها وتدرك بوساطة مقدمات مشهورة ؛ في حين تقع الأخرى في الدرك الأسفل من الإدراك لكونها تظل رهينة الخيال و الانفعالات العاطفية .[5]
يقع الشعر وفق هذا التقسيم في أدنى سلم المنطق عند الفلاسفة المسلمين لكونه يعتمد – في جوهره - على التخييل ويستهدف إثارة الانفعالات ؛ بينما تحتل الخطابة موقعا أفضل مقارنة به لكونها – بالرغم من استهدافها إثارة الانفعالات – لا تروم تحقيق التخييل وإنما غايتها الإقناع, وهذا ما يجعلها تتوسل بالاستدلال والبرهان .
وبهذا المعنى يكون حظ الشعر من الحجاج أقل من حظ الخطابة ؛ لكونه خطابا تخييليا ينشد التأثير في المتلقي وحمله على التسليم بحكم من الأحكام والقيام بما تقتضيه من وقفات سلوكية من غير روية ولا تفكير و« من غير أن يكون الغرض بالمقول إيقاع اعتقاد البتة»[6] ,بينما الخطابة تستهدف الإقناع بما هو « تصديق بالشيء مع اعتقاد أنه يمكن أن يكون له عناد وخلاف »[7] . ولهذا السبب اعتبرت الخطابة في تصور الفلاسفة المسلمين – حسب سلمهم المنطقي – أكثر الصناعات منفعة في الأمور المدنية [8].
إن المتتبع لمختلف تعريفات الحجاج على كثرتها سواء لدى برلمان وتيتيكا أو عند ديكرو أو عند غيرهم من الباحثين يلاحظ أنها تتفق على اعتباره عملية استدلال عقلي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم , وتعتبر أن موضوعه درس تقنيات الخطاب التي تمكن المتكلم من تغيير نظام المعتقدات والتصورات لدى مخاطبه بواسطة الوسائل اللغوية [9].
ومن هذا المنطلق, يلاحظ أنها تقلل من قيمة الجانب التخييلي والشحنة الإنفعالية للخطاب في العملية الحجاجية, لأن التخييل- فـي تصورهـا- مناورة وتلاعب بعقل المخاطب وعواطفـه, في حين أن« العمل المترتب على الحجاج ليس متوسلا إليه بالمغالطة والتلاعب بالأهواء والمناورة, وإنما هو عمل هيأ له العقل والتدبر والنظر. » [10]
ومن الواضح أن هذه التصورات- التي تخرج التخييل من دائرة الحجاج ,وتشكك في قدرته على الإسهام في جعل العقول تذعن لما يطرح عليها، أو في زيادة درجة ذلك الإذعان [11] - تنطلق من تقسيم أرسطو للمدارك الإنسانية , ومن تصوره لطرق الوصول إلى الحقيقة , الذي يعلي من قيمة العقل ويعتبره أشرف ملكات الإدراك الذهني, ولاتنسجم , من ثمة, مع الكشوفات العلمية الأخيرة التي أثبتت أهمية الخيال وفاعليته في الوصول إلى إدراك حقائق الأشياء , والتي أبرزت – خلافا لما كان يعتقد – أن كل مستويات التفكير البشري ومختلف العلوم والنظريات « لا تتخلص أبدا من الهالة التخييلية بالكامل. كما أن كل عقلانية وكل نظام منطقي يحملان في ذاتهما أوهامهما الخاصة»[12] , وهي التصورات ذاتها التي انتهت إلى الدعوة ليس « بحق المساواة بين المتخيل والعقل, وإنما بأحقية التأثير, أو على الأقل أسبقية المتخيل وأشكاله النمطية والرمزية والميثية على المعنى الأصلي وتراكيبه.»[13], وكفى دليلا على هيمنة التخييل على كل الأنشطة الذهنية الإنسان – بما في ذلك الأنساق العقلانية – الفلسفة اليونانية ذاتها التي امتزج فيها التأمل العقلي بالفكر الأسطوري, وهذا ما يتبين بوضوح في « أعمال أفلاطون حيث تبدو لنا الفكرة العقلانية وكأنها تستفيق من حلم أسطوري وتأسف عليه أحيانا.»[14]
وليس معنى ذلك أن كل الخطابات تتساوى في درجة حضور التخييل فيها, أو أن هذا الأخير يتخذ البنيات نفسها ويؤدي الوظائف نفسها, فكل منها يختلف عن الآخر بأسلوب التخييل ووظيفته في الخطاب , وهكذا نلاحظ أن مستوى وأسلوب حضور التخييل في الفلسفة أو الخطابة أو الشعر يختلف بالنظر إلى الطبيعة الحجاجية والوظيفة التداولية لمقولات كل منها.
وإذا كان واضحا أن الفلسفة والخطابة تستعملان – بدرجات متفاوتة- الأساليب الحجاجية، فإن الخطاب الشعري و بالرغم من كونه يخاطب العاطفة والوجدان وينشد إثارة الانفعال, إلا أنه يتوجه مع ذلك إلى الفكر ويوظف تقنيات للبرهنة والاستدلال على أحكام ودلالات يروم الإقناع بها بعد أن يكون قد خيلها في النفس انطلاقا من أساليب خاصة تنسجم مع طبيعته الجمالية وخصائصه الإيحائية.
ولذلك يلاحظ أن توظيف مصطلح التخييل ظل يقتـرن عند العديد من النقاد والبلاغيين العرب بعبارات وألفاظ تنتمي إلى حقل الحجاج من قبيل الإقناع وإقامة الحجة والبرهان, والادعاء والإثبات, بل إن مصطلح الحجاج بمختلف صيغه الاشتقاقية ورد عند الكثير منهم مقترنا بمصطلح التخييل ودالا على أساليبه في الإيحاء بالمعنى وإقامة صورته في النفس ؛ ويمكن الاقتصار في هذا المقام على عبد القاهر الجرجاني الذي يمثل نموذجا بارزا في هذا الإطار؛ فقد ورد عنده المصطلح غير مرة في سياق تحليله لأنماط من التخاييل الشعرية ودراسته لخصائصها الإيحائية ومميزاتها الأسلوبية؛ ففي سياق تحليله لقول البحتري:
|
وبيـاض البازي أصدق حسنا
|
**
|
إن تأملت من سواد الغراب[15]
|
أشار إلى أن قيمة هذا البيت وأهميته تكمن في كونه يبين أن من التخييل نوعا يشبه الحقيقة والصدق فيتوهم فيه المتلقي صحة دعواه وينسى طابعها التخييلي، لكونه يستبدل العلل الحقيقية والطبيعية للأشياء والظواهر المادية بعلل أخرى تبدو أكثر واقعية وأشد إقناعا من الأولى، بالرغم من أن الأحكام التي تترتب عليها ليست «كذلك في المعقول ومقتضيات العقول»[16].
وفي رأيه لا تتأتى فاعلية اشتغال التخييل الشعري في هذا البيت من كونه يفــرغ الشيب من رمزيته السلبية ويملأه بمحتوى دلالي جديد وإيجابي فحسب،بـل في الأسلوب الحجاجي الذي يسلكه الشاعر للإقناع بصدق دعواه, ذلك أن البحتري لا يقارن بين عنصري البياض والسواد في صورته باعتبار تنافرهما وتباعدهما، بل إنه يركز على دلالتهما الرمزية بالنظر إلى ارتباطهما بنوعين من الطير. ومن ثمة فهو يقارن بين طائري الباز والغراب انطلاقا من رمزيتهما في المتخيل الجمعي للإنسان العربي؛ إذ إن الأول مثل رمزا للتساكن والألفة في هذا المتخيل؛ بينما مثل الثاني رمزا للشؤم وعنصرا للتطير[17].
مما يعني أن التخييل الشعري إذا وظف الرموز الطبيعية والمادية المترسخة في متخيل الإنسان ووعيه الجمعي، فإن ذلك يكون عنصرا مؤثرا في حمله على الانسياق وراء أحكامه وادعاءاته و التسليم بصحتها، وهذا ما صرح به عبد القاهر بوضوح, حيث قال:
« (…) لو عدم البازي فضيلة أنه جارح، وأنه من عتيق الطير، لم تجد لبياضه الحسن الذي تراه، ولم يكن للمحتج به على من ينكر الشيب ويذمه ما تراه من الاستظهار»[18]
وما يشير إليه الجرجاني هنا أمر هام جدا لكونه انتبه- إلى قيمة توظيف مايسميه برلمان"الحجج المؤسسة على بنية الواقع" ومن ضمنها هنا وجوه الترابط الرمزي, إذ إن الوصل الرمزي- وهو ربط تواجدي بين الرامز والمرموز إليه-يؤدي دورا كبيرا في التأثير في الكائنات التي صنعته وجعلت له دلالة ما ويفيد صانع الحجاج في جعل الأذهان تسلم له بما يعرض عليها من أطروحات أو أن تزداد درجة ذلك التسليم , وذلك شريطة إدراك العلاقة الترابطية القائمة بين طرفيه , لأن الرمز لا يؤثر بأي وجه في الذين لا يدركون تلك العلاقة , مما يعني أنه خاص بقوم ما وبثقافة ما ولايصلح أن يستخدم في مخاطبة جمهور عام وهو ما يؤكد في النهاية بعده غير العقلي IRRATIONNEL [19].
ويبدو أن عبد القاهر الجرجاني كان مفتونا إلى حد بعيد بجمالية هذا الضرب من التخاييل وقوتها الحجاجية، ولذلك فهو لم يقتصر على بيان خصائصها الفنية والأدبية، بل حاول كشف سرها الإبداعي الثاوي خلف أسلوبها التخييلي، والوصول إلى منطقها الجمالي المحرك لانتظامها الإيحائي فعمد إلى قصيدة طويلة لابن الرومي، فحللها وأبرز الطريقة الجمالية التي تترتب بها مكوناتها الخيالية، وتتضافر بها مع البناء الكلي للنص الشعري لتشكل عالما فنيا جديدا وبديعا، يقول مطلع القصيدة[20]:
|
خجلت خدود الورد من تفضيله
|
*
|
خجـلا تـوردها عليه شاهد[21]
|
وقال معلقا عليها ومحللا لها:
«وترتيب الصنعة في هذه القطعة، أنه عمل أولا على قلب طرفي التشبيه(…) فشبه حمرة الورد بحمرة الخجل، ثم تناسى ذلك وخدع عنه نفسه، وحملها على أن تعتقد أنه خجل على الحقيقة، ثم لما اطمأن ذلك في قلبه واستحكمت صورته، طلب لذلك الخجل علة، فجعل علته أن فضل على النرجس، ووضع في منزلة ليس يرى نفسه أهلا لها، فصار يتشور من ذلك، ويتخوف عيب العائب، وغميزة المستهزئ. ويجد ما يجد من مدح مدحة يظهر الكذب فيها ويفرط، حتى تصير كالهزء بمن قصد بها. ثم زادته الفطنة الثاقبة والطبع المثمر في سحر البيان، ما رأيت من وضع حجاج في شأن النرجس، وجهة استحقاقه الفضل على الورد، فجاء بحسن وإحسان لا تكاد تجد مثله إلا له»[22].
وما يقوله عبد القاهر الجرجاني هنا يعني أن جمالية هذا النوع من التخييلات التي تقوم على التعليل والتأول في الصفة لا تنفصل عن الأساس الحجاجي الذي يطبع أسلوبها التصويري؛ إذ إنها تمثل المجال الأنسب الذي يتحقق فيه التفاعل بين ذهنيتين مختلفتين، الأولى هي ذهنية الشاعر الذي يصوغ صورة تخييلية يدّعي فيها دعوى يعتقد صدقها ويعرضها على السامع