Yahoo!

شعرية الحكاية السيرية

يوليو 27th, 2011 كتبها يوسف الإدريسي نشر في , أبحاث ودراسات

قراءة أولية في كتاب إبراهيم صادوق

في رحاب المحاماة، مقاطع من سيرة ذاتية

 

     مما لاغرو فيه أن قيمة كتاب الأستاذ النقيب:إبراهيم صادوق تكمن في وعيه النظري ومسعاه الوظيفي باعتباره عمـلا لا يمكِّن من بناء الذاكرة والحفاظ على ما يؤثثها من أحداث ومواقف فحسب، وإنما يساهم في إغناء مهنة المحاماة وتطويرها،عبر كتابة سيرة ذاتية تعكس لحظات هامة من تاريخ المحاماة بالمغرب.

    ففي رأيه أن المحاماة ليست مجرد مهنة، يسهل تأديتها بعد تحصيل قواعدها وسَننها بالتكوين العلمي والأكاديمي، وبالتمرين في مكاتب المحامين ، والتردد على المحاكم ومتابعة جلساتها فقط، ولكنها فن أيضا يرتهن على الإبداع والتخييل لاستدراج فكر القاضي وتحريك عاطفته وخياله إلى طرف أو دعوى دون أخرى، وهذا ما عبر عنه بقوله في ثنايا كتابه: « المعرفة دون إبداع صخرة جامدة تنكسر فوقها أمواج الطموح والأمل، وملكة الإبداع في حقل المحاماة ، كما في غيره، بوصلة ومنارة هادية إلى التميز والنجاح » (ص23)

    وإذا كان ذلك يبين أن الذاتي حاضر فيها وبامتياز، فإنه لا يعني أن تسريد هذه التجربة المهنية وتحويلها إلى سيرة ذاتية ، يروم تحقيق غاية فردية خاصة، بل ينشد حفظ ذاكرة المهنة، وتشييد تاريخ خاص بها ، يرصد أبرز اللحظات والأحداث والشخصيات التي أسهمت في تطورها . وهو عمل لن يتم بصور دقيقة ومفيدة ما لم يتحول إلى مشروع يشارك فيه- كل من جهته- المحامون والقضاة، بل وحتى المتهمون في قضايا الحق العام : المدانون والمبرؤون على حد سواء، يقول معبرا عن ذلك: « ومنذ هذه اللحظة، ظل السؤال يراودني بإلحاح: لماذا لا يُقدمُ رجال المحاماة والقضاء على كتابة سيرهم الذاتية؟ لماذا لا يعبرون عن تجاربهم كتابيا، للحفاظ على الذاكرة أولا، ولإنقاذها من الموت ثانيا، ولتمريرها للقادمين إلى الاشتغال في مجال العدل قصد الاستفادة منها ثالثا؟» (ص6)

     والقارئ لكتاب الأستاذ النقيب إبراهيم صادوق: في رحاب المحاماة، مقاطع من سيرة ذاتية، يلاحظ أنه ليس مجرد كتابة لسيرة تجربة مهنية، فعلاوة عن كونه يوثق لأحداث وأزمنة  جسام من تاريخ المغرب،  يعد أيضا كتابة لسير فضاءات مختلفة من جغرافية المغرب، إذ تدور أحداثه بين تاحناوت ومراكش والدار البيضاء والرباط وابن جرير…وعبر أزمنة تمتد على طول أكثر من أربعة عقود…

      ولعل هذا ما يمنح السرد فيه بعض قيمته الجمالية وتميزه الإيحائي، إذ لا يتخذ الحكي السيري : في رحاب المحاماة  منحى سطريا، ولا يكتب بأسلوب تتوالى فيه الأحداث وتتعاقب بشكل تسلسلي، ولكنه عبارة عن استعادات متقطعة لأحداث وأزمنة وفضاءات متشابكة ومترابطة أسهمت في تكوين شخصية " السارد " / إبراهيم صادوق-إن جاز القول.  

     ولذلك يلاحظ أنه يستهل محكيه السيري بإضاءة- مردها لحظة الشباب- وتكاد تعنون مسيرة الرجل، وتشي بسمته ونزوع طبعه: يقول في مستهل الحكي « كان شابا يافعا يواظب على دروس معهد ابن يوسف، وأنى ساعات الفراغ يتسلل لقاعات المحكمة الإقليمية سابقا، والابتدائية راهنا ليواكب جلساتها الجنحية ويتابع …مرافعات النيابة العامة والمحامين التي تثير إعجابه وتمنحه الفرجة والمتعة…»(ص9)

    تكمن قيمة هذه الإضاءة الأولى – إن جاز الوصف- في كونها تلخص مسار الرجل ، وتحدد مدار الحكي في السيرة، والذي يتمحور بين لحظتين في شخصية إبراهيم : إبراهيم المدرس بتاحناوت ؛ وإبراهيم المحامي في محاكم الدار البيضاء ومراكش، ومن التدريس إلى المحاماة يتخذ الحكي تلوينات متنوعة ، ويوظف إيحاءات تخييلية يتناغم فيها الوصف للأمكنة والشخوص مع التوظيف اللافت لضمير الغائب المعضود بالزمن الماضي، وبين هذا وذاك ترتسم أجزاء ومشاهد من شخصية إبراهيم في أزمنة تشكلها ونضجها، وتشي بالعوامل الاجتماعية والثقافية والسياسية التي أسهمت في تكوينها.

     بالرغم من كون الزمن متقطع في الحكاية السيرية إلا أنه مترابط ، ويسهم بالاستعادات والتداخلات التي تسمه في بناء السرد، وتشكيل طبيعة الحكي السيري ، من خلال مماثلته بالحركة الذهنية للذاكرة التي تتداخل فيها الأحداث والأزمنة والشخوص والفضاءات، خاصة وأن الذاكرة هنا تمثل مصدر الحكي، إلا أنها ذاكرة ليست كباقي الذاكرات، لكونها حادة متوقدة يترسخ فيها كل شيء ، فلقد كان كما جاء في السيرة « يستطيع أن يطلق العنان لذاكرته المعبأة بالعديد من النصوص والمتون والحكم والأمثال والأشعار(…) خاصة وأن ذاكرته شحذت قبل أن يبلغ الثامنة،وصارت صقيلةً عبر التعاطي مع أمهات الكتب والمصادر في باحات معهد ابن يوسف »(ص41)

   وإذا كان برنامج المحكي السيري في كتاب إبراهيم صادوق: في رحاب المحاماة، قد اختار تشكيل الحكي من خلال وحدات زمنية متقطعة ، فلأن أحداثها متداخلة في ذهنه، ولكونه يروم إضفاء خاصية جمالية على بنية نصه، بحيث تحوله إلى استعادات متوالية وتقاطعات مترابطة، يشكل خيطها الناظم حدث ما أو شخصية معينة، ولعل هذا ما يستشعره الق

المزيد


الحجاج والتخييل

يوليو 25th, 2011 كتبها يوسف الإدريسي نشر في , أبحاث ودراسات

 

 

 

ملخص

               إذا كان الحجاج عند الغربيين عملية استدلال عقلي      يتم فيها التقليل من قيمة التخييل، ومن قيمة الشحنة الانفعالية الضرورية في كل عملية حجاجية إقناعية، فإن تتبع مختلف أشكال توظيف الحجاج في خطابات متباينة(فلسفية وخطابية وشعرية) تبين أن لاحجاج دون تخييل مثلما أنه لا تخييل دون حجاج .

 

    « لا تفكر النفس بدون صور »[1]، يختصر هذا القول الذي ورد في كتاب أرسطو: في النفس تصورا هاما يؤكد حاجة الفكر البشري الضرورية والدائمة – في مختلف أنشطته العقلية والخيالية- إلى تمثلات ذهنية لموضوع التفكير تيسر عملية ارتسامه في النفس , ومن ثم, الإحاطة به , وفي سياق  شرح القول السابق أكد الفلاسفة المسلمون أن «كل ما تعقله النفس مشوب بتخيل»[2] .

      ليس معنى ذلك أن أرسطو والفلاسفة المسلمين من بعده يخلطون بين عمليات الإدراك الذهني ويساوون بينها في الطبيعة والدرجة, فمن المعلوم أن التصورات الفلسفية القديمة  تميز بين مختلف الأنشطة الإدراكية للذهن البشري, وترتبها ضمن سلم تصاعدي حسب تمثلها للكليات, ووفق درجة تصورها للحقائق الجوهرية في ذاتها ولذاتها, ولذلك فقد وضعوا الإدراك العقلي في أعلى المراتب , لأن النفس تتمكن فيه من تجريد الشيء عن لواحقه المادية وعوارضه الجزئية تجريدا تاما ومطلقا, وتتصور ماهيته الكلية التي تصدق على كل أجناسه[3] . وقد قصروا تبعا لذلك التفكير العقلي على هذا المستوى لأنه ضرب من التعليم الخاص تشتغل به الخاصة وصفوة المفكرين, ولأنه يتم أساسا بالطرق البرهانية اليقينية فحسب؛ بينما صنفوا الخيال ضمن أدنى مراتب الإدراك ، لكونه يتوسل في الوصول إلى المعرفة بالصور والتخاييل التي تمثل جواهر الأشياء وتسهل عملية تحصيلها في النفس .

    وإذا كان ذلك يعني أن الإدراك في تصور الفلسفة الأرسطية يتم بطريقتين: العقل :وهو ماتقوم به الخاصة؛ والخيال والانفعال: وهو مايلائم طبائع العامة, فإنه يبين أن المقصود بالقولين الذين تم استهلال بهما هذا المقال التأكيد على  تصور راسخ لدى أرسطو وشراحه من الفلاسفة المسلمين مؤداه: أن وظيفة التخييلات التي تمثل في الذهن صور الأنساق المجردة والأفكار البرهانية  تتحدد في كونها تقيم في نفوس الجمهور والعامة رسومها بمثالاتها المناسبة لها، لأنه يصعب عليهم تمثلها بجوهرها الكلي, بينما تشغل عند الخاصة الخيالَ بما هو من جنسه, فتصرفه بذلك وتمنعه من التشويش على عملية الاستدلال البرهاني[4] .

     يبدو واضحا من خلال هذا التصور أن  الفلسفة الأرسطية كما قدمها أرسطو وشرحها الفلاسفة المسلمون تميز بين المعارف والخطابات بالنظر إلى طريقة إدراكها والأسلوب الموصل إليها : فثمة خطابات برهانية  تقدم المعرفة اليقينية وتدرك بوساطة مقدمات صادقة ؛ وثمة خطابات لا تقوم كليا على العقل , ويتدخل الظن والاحتمال في تمثلها وتدرك  بوساطة مقدمات مشهورة ؛ في حين تقع الأخرى في الدرك الأسفل من الإدراك لكونها تظل رهينة الخيال و الانفعالات العاطفية .[5]

      يقع الشعر وفق هذا التقسيم في أدنى سلم المنطق عند الفلاسفة المسلمين لكونه يعتمد – في جوهره - على التخييل ويستهدف إثارة الانفعالات ؛ بينما تحتل الخطابة موقعا أفضل مقارنة به لكونها – بالرغم من استهدافها إثارة الانفعالات – لا تروم تحقيق التخييل وإنما غايتها الإقناع, وهذا ما يجعلها تتوسل بالاستدلال والبرهان .

    وبهذا المعنى يكون حظ الشعر من الحجاج أقل من حظ الخطابة ؛  لكونه خطابا تخييليا ينشد التأثير في المتلقي وحمله على التسليم بحكم من الأحكام والقيام بما تقتضيه من وقفات سلوكية من غير روية ولا تفكير و« من غير أن يكون الغرض بالمقول إيقاع اعتقاد البتة»[6] ,بينما الخطابة  تستهدف الإقناع بما هو « تصديق بالشيء مع اعتقاد أنه يمكن أن يكون له عناد وخلاف »[7] . ولهذا السبب اعتبرت الخطابة في تصور الفلاسفة المسلمين – حسب سلمهم المنطقي – أكثر الصناعات منفعة في الأمور المدنية [8].

    إن المتتبع لمختلف تعريفات الحجاج على كثرتها سواء لدى برلمان وتيتيكا أو عند ديكرو أو عند غيرهم من الباحثين  يلاحظ أنها تتفق على اعتباره عملية استدلال عقلي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم , وتعتبر أن  موضوعه درس تقنيات الخطاب التي تمكن المتكلم من تغيير نظام المعتقدات والتصورات لدى مخاطبه بواسطة الوسائل اللغوية [9].

      ومن هذا المنطلق, يلاحظ أنها تقلل من قيمة الجانب التخييلي والشحنة الإنفعالية للخطاب في العملية الحجاجية, لأن التخييل- فـي تصورهـا- مناورة وتلاعب بعقل المخاطب وعواطفـه, في حين أن« العمل المترتب على الحجاج ليس متوسلا إليه بالمغالطة والتلاعب بالأهواء والمناورة, وإنما هو عمل هيأ له العقل والتدبر والنظر. » [10]

     ومن الواضح أن هذه التصورات- التي تخرج التخييل من دائرة  الحجاج ,وتشكك في قدرته على الإسهام في جعل العقول تذعن لما يطرح عليها، أو في زيادة درجة ذلك الإذعان [11] - تنطلق من تقسيم أرسطو للمدارك الإنسانية , ومن تصوره لطرق الوصول إلى الحقيقة , الذي يعلي من قيمة العقل ويعتبره أشرف ملكات الإدراك الذهني, ولاتنسجم , من ثمة, مع الكشوفات العلمية الأخيرة التي أثبتت أهمية الخيال وفاعليته في الوصول إلى إدراك حقائق الأشياء , والتي أبرزت – خلافا لما كان يعتقد – أن كل مستويات التفكير البشري ومختلف العلوم والنظريات « لا تتخلص أبدا من الهالة التخييلية بالكامل. كما أن كل عقلانية وكل نظام منطقي يحملان في ذاتهما أوهامهما الخاصة»[12] , وهي التصورات ذاتها التي انتهت إلى الدعوة ليس « بحق المساواة بين المتخيل والعقل, وإنما بأحقية التأثير, أو على الأقل أسبقية المتخيل وأشكاله النمطية والرمزية والميثية على المعنى الأصلي وتراكيبه.»[13], وكفى دليلا على هيمنة التخييل على كل الأنشطة الذهنية الإنسان – بما في ذلك الأنساق العقلانية – الفلسفة اليونانية ذاتها التي امتزج فيها التأمل العقلي بالفكر الأسطوري, وهذا ما يتبين بوضوح في « أعمال أفلاطون حيث تبدو لنا الفكرة العقلانية وكأنها تستفيق من حلم أسطوري وتأسف عليه أحيانا.»[14]

      وليس معنى ذلك أن كل الخطابات تتساوى في درجة حضور التخييل فيها, أو أن هذا الأخير يتخذ البنيات نفسها ويؤدي الوظائف نفسها, فكل منها يختلف عن الآخر بأسلوب التخييل ووظيفته في الخطاب , وهكذا نلاحظ أن مستوى وأسلوب حضور التخييل في الفلسفة أو الخطابة أو الشعر يختلف بالنظر إلى الطبيعة الحجاجية والوظيفة التداولية لمقولات كل منها.

    وإذا كان واضحا أن الفلسفة والخطابة تستعملان – بدرجات متفاوتة- الأساليب الحجاجية، فإن الخطاب الشعري و بالرغم من كونه يخاطب العاطفة والوجدان وينشد إثارة الانفعال, إلا أنه يتوجه مع ذلك إلى الفكر ويوظف تقنيات للبرهنة والاستدلال على أحكام ودلالات يروم الإقناع بها بعد أن يكون قد خيلها في النفس انطلاقا من أساليب خاصة تنسجم مع طبيعته الجمالية وخصائصه الإيحائية.

      ولذلك يلاحظ أن توظيف مصطلح التخييل ظل يقتـرن عند العديد من النقاد والبلاغيين العرب بعبارات وألفاظ تنتمي إلى حقل الحجاج من قبيل الإقناع وإقامة الحجة والبرهان, والادعاء والإثبات,  بل إن مصطلح الحجاج  بمختلف صيغه الاشتقاقية ورد عند الكثير منهم مقترنا بمصطلح التخييل ودالا على أساليبه في الإيحاء بالمعنى وإقامة صورته في النفس ؛ ويمكن الاقتصار في هذا المقام على عبد القاهر  الجرجاني الذي يمثل نموذجا بارزا في هذا الإطار؛ فقد ورد عنده المصطلح غير مرة في سياق تحليله لأنماط من التخاييل الشعرية ودراسته لخصائصها الإيحائية ومميزاتها الأسلوبية؛ ففي سياق تحليله  لقول البحتري: 

وبيـاض  البازي  أصدق  حسنا

**

إن تأملت  من سواد الغراب[15]

      أشار إلى أن قيمة هذا البيت وأهميته  تكمن  في كونه يبين أن من التخييل نوعا يشبه الحقيقة والصدق فيتوهم  فيه المتلقي صحة دعواه وينسى طابعها التخييلي، لكونه يستبدل العلل الحقيقية والطبيعية للأشياء والظواهر المادية  بعلل أخرى تبدو أكثر واقعية وأشد  إقناعا من الأولى، بالرغم من أن الأحكام التي تترتب عليها ليست «كذلك في المعقول ومقتضيات العقول»[16].

       وفي رأيه لا تتأتى فاعلية اشتغال التخييل الشعري في هذا البيت من كونه يفــرغ الشيب من رمزيته السلبية ويملأه  بمحتوى دلالي جديد وإيجابي فحسب،بـل في الأسلوب الحجاجي الذي يسلكه الشاعر للإقناع بصدق دعواه, ذلك أن البحتري لا يقارن بين عنصري البياض والسواد في صورته باعتبار تنافرهما وتباعدهما، بل إنه يركز على دلالتهما الرمزية  بالنظر إلى ارتباطهما بنوعين من الطير. ومن ثمة فهو يقارن بين طائري الباز والغراب انطلاقا من رمزيتهما في المتخيل الجمعي للإنسان العربي؛ إذ إن الأول مثل رمزا  للتساكن  والألفة  في هذا المتخيل؛ بينما مثل الثاني رمزا  للشؤم وعنصرا  للتطير[17].

      مما يعني أن التخييل الشعري إذا وظف الرموز الطبيعية والمادية المترسخة في متخيل الإنسان ووعيه الجمعي، فإن ذلك يكون عنصرا مؤثرا في حمله على الانسياق وراء أحكامه وادعاءاته و التسليم بصحتها، وهذا ما صرح به عبد القاهر بوضوح, حيث قال:

« (…) لو عدم  البازي  فضيلة  أنه  جارح، وأنه  من عتيق  الطير، لم تجد  لبياضه الحسن الذي  تراه، ولم  يكن  للمحتج به على  من ينكر  الشيب  ويذمه  ما تراه من الاستظهار»[18]

       وما يشير إليه الجرجاني هنا أمر هام جدا لكونه انتبه- إلى قيمة توظيف مايسميه برلمان"الحجج المؤسسة على بنية الواقع" ومن ضمنها هنا وجوه الترابط الرمزي, إذ إن الوصل الرمزي- وهو ربط تواجدي بين الرامز والمرموز إليه-يؤدي دورا كبيرا في التأثير في الكائنات التي صنعته وجعلت له دلالة ما ويفيد صانع الحجاج في جعل الأذهان تسلم له بما يعرض عليها من أطروحات أو أن تزداد درجة ذلك التسليم , وذلك شريطة إدراك العلاقة الترابطية القائمة بين طرفيه , لأن الرمز لا يؤثر بأي وجه في الذين لا يدركون تلك العلاقة , مما يعني أنه خاص بقوم ما وبثقافة ما ولايصلح أن يستخدم في مخاطبة جمهور عام وهو ما يؤكد  في النهاية بعده غير العقلي IRRATIONNEL  [19].

       ويبدو أن عبد القاهر الجرجاني كان مفتونا إلى حد  بعيد  بجمالية هذا الضرب من التخاييل وقوتها الحجاجية، ولذلك فهو لم يقتصر على بيان خصائصها  الفنية والأدبية، بل حاول كشف سرها الإبداعي الثاوي خلف أسلوبها التخييلي، والوصول إلى منطقها الجمالي المحرك لانتظامها الإيحائي فعمد إلى قصيدة طويلة لابن  الرومي، فحللها وأبرز الطريقة الجمالية التي تترتب بها مكوناتها  الخيالية، وتتضافر بها مع البناء الكلي للنص الشعري لتشكل عالما فنيا جديدا وبديعا، يقول مطلع القصيدة[20]:                          

خجلت  خدود  الورد  من تفضيله      

*

خجـلا  تـوردها  عليه شاهد[21]

وقال  معلقا  عليها  ومحللا لها:                                                             

      «وترتيب الصنعة في هذه القطعة، أنه عمل أولا على قلب طرفي التشبيه(…) فشبه حمرة الورد بحمرة الخجل، ثم تناسى ذلك وخدع عنه نفسه، وحملها على أن  تعتقد أنه خجل  على الحقيقة، ثم لما اطمأن  ذلك في قلبه واستحكمت صورته، طلب لذلك الخجل علة، فجعل علته أن فضل على النرجس، ووضع في منزلة ليس يرى نفسه أهلا لها، فصار يتشور من ذلك، ويتخوف عيب العائب، وغميزة المستهزئ. ويجد ما يجد من مدح مدحة يظهر الكذب  فيها ويفرط، حتى تصير كالهزء بمن قصد بها. ثم زادته الفطنة  الثاقبة والطبع المثمر في سحر البيان، ما رأيت من وضع حجاج في شأن النرجس، وجهة استحقاقه الفضل على الورد، فجاء بحسن وإحسان لا تكاد تجد مثله إلا له»[22].

     وما يقوله عبد القاهر الجرجاني هنا يعني أن جمالية هذا النوع من التخييلات التي تقوم على التعليل والتأول في الصفة لا تنفصل عن الأساس الحجاجي الذي  يطبع أسلوبها التصويري؛ إذ إنها تمثل المجال الأنسب الذي يتحقق فيه التفاعل بين ذهنيتين مختلفتين، الأولى هي ذهنية الشاعر الذي يصوغ صورة تخييلية يدّعي فيها دعوى يعتقد صدقها ويعرضها على السامع  

المزيد


العامية في رواية سوق النساء: الوظيفة والدلالات

يوليو 25th, 2011 كتبها يوسف الإدريسي نشر في , أبحاث ودراسات, مشاركات علمية

 

     

      

        تمهيد: 

      لعل من أبرز الملاحظات التي يسجلها القارئ لرواية جمال بوطيب :سوق النساء أو ص.ب:26 " [2]كونها  تتعالق -ابتداء من عنوانها ومرورا عبر متنها الحكائي وانتهاء بعناوين فصولها -مع العامية، فتستعيد بعض عباراتها أو أغانيها أو أشعارها أو أمثالها وتوظفها بأسلوب حَرْفي، أو بعد تعديل عباراتها أو تحويرها، وذلك لبناء عالمها التخييلي وتشكيله.

     ويتخذ حضور العامية في "سوق النساء" مستويات متعددة تتراوح بين:

1-            عامية مشتركة بين كل المغاربة.

2-            عامية مقصورة على مناطق وجهات بالمغرب دون أخرى.

3-    عامية خاصة ببلدان عربية دون سواها، ويمكن التمييز في هذه الأخيرة بين صيغ وأساليب متفاوتة أيضا بالنظر إلى المنطقة التي قيلت فيها أو الجيل الذي رددها إلى غير ذلك…

    و لعل ما يضفي على ذلك الحضور –أقصد حضور العامية في عمل روائي- قيمة وجمالية أكبر، وعي صاحبِه أنه بصدد كتابة نص فصيح، وحرصه على تشكيله بلغة شاعرية يمثل التخييل فيها قوام الحكي وأساسه، ومن هنا تأتي قيمة توظيف نوع رابع يمكن قراءته بالعامية أو بلغة فصيحة أيضا، وهو ما يعرف باللغة الثالثية.

    وإذا كان العنوان – كما تواضعت على ذلك أدبيات "عتبات النص" في اللغات الواصفة- مكونا داخليا يشكل قيمة دلالية عند الدارس لكونه يمثل جزءا من النصويؤشر على معنى ما، ومن ثمة يمثل سلطة النص وواجهته الإعلامية، فإن " سوق النساء " باعتباره عنوانا أولا يشي بطبيعة العالم التخييلي الذي تدور فيه أحداث الرواية وتتحرك ضمنه شخوصها، يشكل نوعا خامسا من أنواع حضور العامية في الرواية، يتمثل في تعريب العامي وجعله فصيحا؛ إذ إن عنوان الرواية يتناص مع عنوان قصيدة: "سوق النسا" للشاعر الزجالع[3]بد الرحمن المجذوب، فيستثمره لحسابه الخاص بعد أن يضيف إليه الهمز، وهو أمر تكرر أكثر من مرة في نص الرواية كما سنبين لاحقا ، ويندرج عنده ضمن البرنامج السردي العام الذي يحكم العمل ككل.

       والمتأمل لعبارة " سوق النساء" يلاحظ أنها تقف في الحدود المتجاورة بين الخطابين اللغويين: الفصيح والعامي، إذ يمكن اعتبارها لفظة عربية فصيحة إذاتلفظنا بها دون حذف الهمزة، كما يمكن اعتبارها كلمة عامية إذا نطقنا بها دون همز - كما نقوم بذلك في كلمات مثل: السماء، المساء، الهواء…وما يقال هنا عن " سوق النساء" يصدق أيضا على العنوان الثاني للرواية: ص.ب 26، مادامت الواو هنا للتخيير وليست للعطف[4].

     ولئن كانت البنية الكلية لعنوان الرواية المزدوج تسمح بقراءته على النحوين معا، فإنها تثير لدى المتلقي –انسجاما مع وظائف العنونة التي حددتها أدبيات عتبات النص – الفضول في معرفة خصوصية هذا السوق وطبيعة علاقته بالأسواق عامة وب"سوق النسا" لعبد الرحمن المجذوب، خاصة أن السارد يذكر هذا الأخير ويبدي إعجابه بنصوصه الزجلية، بل و يتماهى معه، ويشبه ذاته به، حيث يقول بعبارات تجمع بين اللغة الفصيحة واللغة الثالثة: « عاق أنت ياقلبي. مثلك مثل قلب " سيدي عبد الرحمن المجذوب"» (ص12).  

     تشير كلمة السوق لغةً إلى: « موضع البَياعات.» وعند ابن سيدة: « السوق التي يُتعامل فيها، تذكر وتؤنث»[5]، بيد أن الكلمة هنا لا تستعمل بالمعنى المعجمي الذي تشير فيه إلى الفضاء الذي تعرض فيه السلع من شتى أنواعها للتداول، بيعا أم شراء، وأحيانا تظل دون بيع أو شراء مما يعرضها للبوارِ، ولكنها تعني نوعا خاصا وفريدا من الأسواق: إنه "سوق النساء" ، ولاشك أن العبارة هنا تحيل على قصيدة المجذوبالتي يقول فيها :

         « سوق النسا سوق مطيار يا الداخله رد بالك

          يورليو ليك من الربح قنطار ويديوا ليك راس مالك »

     إلا أن القارئ لرواية جمال بوطيب يلاحظ فرقا في القيمتين الدلالية والرمزية لسوق النساء عنده، فخلافالعبد الرحمن المجذوب الذي تتحدد عنده بوضوح العلاقات بين أطراف التداول في السوق، بصورة تُمَثل المرأة فيه بكونها ذات تتفوق على الرجل بسلطة رمزية ومادية أساسها المكر والخداع، وتصور الرجل بالمقابل بأنه دائما ضحية لحيل وألاعيب النساء، مما يجعل سلوكه مستسما بالحيطة والحذر، يكتفيبوطيب فقط باستعارة عبارة "سوق النسا" منالمجذوب ليعنون بها روايته، كما يستثمر دلالات "الخداع" و "الاحتيال" و "الإيهام" دون أن يتمكن القارئ من أن يحدد على وجه الدقة المخادِع من المخدوع، والمحتال من المحتال عليه. فهل " لبانة" هي الخادعة و "دباشي" هو المخدوع ؟ أم أن العكس هو الصحيح؟ أم أنهما معا مجرد محتالين يحترفان الحكي المخادع والوهمي، ويستلذان بكل أفعال الغواية، فيلعبان بعواطف أصدقائهما، وكل من يسمع بحكايتهما؟

      فمنذ بداية الحكي يحرص عبد الرحيم دباشـي على توقيع صكوك الإدانة، وتصويـر " لبانة الربيعي" بصورة امرأة تنصب فخاخ الغواية للرجال، وكلما أيقنت من وقوعهم في شباكها تتخلى عنهم بمنتهى السادية…والتشفي، بينما يصور نفسه بأنه ضحية لها و لحبه الصادق، تقول الأسطر الأولى للرواية…أو بالأحرى الشراك الأولى للحكي :

       « حين تأكدتْ أنها أسندتني جثة، فكت وثاقي:

-       آن لنا أن نفترق.

     قالت، بنشوة ساد يتصيد الجذالى.

      توقعتُ تراجعا ينعت كلامها بكونه دعابة سخيفة لا غير.

      لم يقع ما توقعتُ. وقعتُ.

- ليس صعبا حاول أن تنس، أرْدَفَتْ.

لمَ أحاول، ماذا يملك الميت أمام مغسله ؟؟؟ »(ص 7)

   لا يكتسي هذا المقطع قيمته من تصوير "دباشي " لنفسه بكونه ضحية فحسب، ولكن من الطريقة الإيحائية في التعبير عن ذلك أيضا، والتي يستثمر فيها مثلا شعبيا فيعربه لتصوير مأساته، وعمق فاجعته:«ماذا يملك الميت أمام مغسله ؟؟»، وهو تعريب للقول العامي: « آش يملك الميت قدام غساله ؟» ، وإذا كنا قد أشرنا من قبل إلى أن ذلك من الأسس التي تعمد إليها الرواية في التعامل مع الموروث الشعبي، فمن الواضح هنا أن السارد يوظفها لتصويـر " دباشي" على أنه سليب الإرادة أمام " لبانة"، لا يملك دفع أي مكروه، فهيامه بلبانة يقيده، وهي وحدها صاحبة القرار في اختيار  اللحظة التي تحرره فيها ، ولذلك فبمجرد ما تأكدت أنها  امتلكت روحه أيضا، قررت التخلص منه …أو بلغة الاستهلال تحريره من شراك حبها المخادع وألاعيبها بمشاعره، وهذا ما تشير إليه عبارة: " فكت وثاقي… "

       بيد أن القيمة الجمالية لهذا الاستهلال لا تنحصر ضمن هذا الحد، بل تتجاوزه إلى مستوى أعمق يضفي عليه جمالية أكثر، فقد استثمر أيضا كثيرا من الأساليب البلاغية التي تنطوي على طاقة موسيقية وبعد إيحائي عميق، وذلك لإثراء الحكي السردي وزيادة الأسلوب التخييلي للرواية عمقا وجمالية، ولعل أبرزها في هذا المقام " الجناس"، الذي وظف قيمته البلاغية للتعبير عن تحطم نفسيته وانهيار كل أحلامه وانتظاراته، وإذا كان هذا الأمر يتضح من قوله: « توقعتُ (…) لم يقع ما توقعتُ. وقعتُ»، فإنه ينجلي بجلاء من تأمل تركيب الجملة الذي ينقسم إلى ثلاث بنيات رئيسة، يمكن تسميتها بنية الأمل، وتمثلها جملة توقعت التي تنتمي زمنيا ونفسيا إلى لحظة توهج العلاقة، وبنية الاتنظار، وهي بنية أفقية محدودة في الزمان والمكان، وتتوقف بين لحظتين نفسيتين: الانتشاء أو الخيبة والإخفاق،  ثم بنية الانهيار والانكسار، وهي بنية ممتددة زمنا ومكانا، ويمكن توضيح ذلك بالخطاطة الآتية :

 

         

توقعت تراجعا ينعت كلامها بكونه دعابة سخيفة لا غير = لحظة نفسية تنتمي إلى زمن توهج العلاقة                                                    

 

المزيد


قضايا النقد في خطاب علم النفس

يوليو 25th, 2011 كتبها يوسف الإدريسي نشر في , أبحاث ودراسات

قراءة في كتاب د. عبد العزيز جسوس: خطاب علم النفس في النقد الأدبي العربي[i]

                      صدر مؤخرا كتاب هام للدكتور عبد العزيز جسوس تحت عنوان: خطاب                       علم النفس في النقد الأدبي العربي[ii]، والكتاب من الحجم الكبير ويقع في                       226 صفحة، وبالنظر إلى أهمية ما جاء فيه نقدم بين يدي القارئ قراءة                           لأبرز ما جاء فيه.

 

 

 

 

 


     ظل أمر النفس يشغل تفكير الإنسان منذ القدم، لما للكشف عن طرق إدراكها وتفاعلها مع العالم من أهمية في فهم الذات، ومعرفة جوهر الإنسان. ولذلك فقد اعتبر العلم بالنفس – في الفلسفات القديمة- أفضل وأهم من سائر العلوم ، لكونه يمكن الإنسان من علم ذاته، ومعلوم أنه إذا علم ذاته علم سائر الأشياء التي تعلوه، والتي هي أدنى منه، ولكونه أيضا يرقى بالمعرفة الإنسانية  إلى «علم الجوهر الشريف الحقي». والدليل على أن من علم ذاته ، علم سائر الأشياء، أن الأشياء  لا تخلو من أن يكون العلم بها واقعا تحت القوى، والقوى كلها للنفس،والذي يعرف النفس يعرف قواها، والذي يعرف قواها، يعرف الأشياء الواقعة تحت قواها، فمن عرف  النفس عرف الأشياء كلها»[iii].

   ويتبدى حرص الإنسان على " الإحاطة " بخبايا النفس ومعرفة أسرارها -منذ القدم - في مظاهر عدة ( تفسير الأحلام والتعامل مع ظواهر الصرع والجنون والسحر) . وإذا كانت بعض الثقافات القديمة قد حاولت تكسير الغموض الذي يكتنفها ، فسعت إلى كشف " بعض" خباياها عبر تخصيصها بدراسات مستقلة، كما هو شأن اليونان مثلا الذين أفردوها باهتمام بالغ ، كما تدل على ذلك [iv]شذرات من محاورات أفلاطون وكتاب النفس لأرسطو،  فإن ثقافات أخرى ظلت حائرة في أمرها كما هو الأمر بالنسبة للعرب كما تدل على ذلك الآية الكريمة : (يسألونك عن الروح؟ قل الروح من أمر ربي )، ولعل هذه الحيرة هي التي دفعتهم إلى إيلاء أهمية بالغة لكتاب أرسطو :في النفس ، الذي خصوه بأكثر من ترجمة وتلخيص.

    بيد أن البحث في النفس يختلـف – منهجا وتنظيرا- بين القديم والحديـث ، إذ يعد اكتشاف فرويـد  "للاشعور" نقطة الفصل بين مرحلتين في الدراسات النفسية، لما حققه ذلك من نتائج علمية جديدة وباهرة، مكنت من إدراك كثير من خباياها وآليات اشتغالها ، وأدت إلى تطور كثير من الأبحاث والدراسات الرائدة.

     ولا يعنى عبد العزيز جسوس في كتابه خطاب علم النفس في النقد الأدبي العربي بتتبع أبرز التيارات والمدارس التي ميزت خطاب علم النفس في النقد الغربي الحديث،  فذلك أمر سبقت إليه العديد من الدراسات الغربية والعربية على حد سواء، فأعادت البحث فيه غير مرة ، كما انه لا يسعى إلى مجرد مقاربة خطاب علم النفس في النقد الأدبي العربي بمعزل عن أية غاية أخرى، بل إن كتابه يندرج      ضمن مشروع علمي ينشغل بمقاربة إشكالات العلمية وتجلياتها في النقد الأدبي العربي خلال القرن العشرين، ويمثل في هذا الإطار - وبإقرار شخصي من صاحبه- مدخلا « لمعالجةٍ جزئية لهذه الإشكالية كما طرحت لدى رواد خطاب علم النفس في النقد الأدبي العربي الحديث، والتي حددت لها-تاريخيا ومنهجيا- فترة زمنية تمتد من العقد الثاني من القرن العشرين إلى العقد السابع منه»، على أن يقوم في كتابين لاحقين بتتبع مآل خطاب علم النفس في العقود الموالية ، ودراسة التحولات التي ميزت الخطابات النقدية العربية الحديثة ، والتي أصبح من أبرز مطامحها بناء أنساق نقدية متكاملة ومتجانسة.(ص7)

       وإذا كان عبد العزيز جسوس يروم في كتابه متابعة خطاب علم النفس في النقد العربي من الانبثاق إلى الامتداد، ويسعى إلى رصد المسوغات النظرية والمنهجية التي رتبها رواده لتبرير نجاعته في الممارسة النقدية ضمن المرحلة التي تم الإيماء إليها سابقا، فإنه لم ينشغل- كما هو شأن كثير من الباحثين العرب المحدثين – بالتتبع الكرونولوجي لخطاب علم النفس في النقد الأدبي العربي الحديث، كما لم يتوقف عند حدود التعريف بأهم أعلامه واستعراض أبرز الكتابات التي أنتجت حوله، بل سعى إلى إنجاز ما أغفلت الدراسات السابقة تحقيقه؛ ألا وهو تحديد المراحل التي وسمت اشتغال النقاد المحدثين بآليات خطاب علم النفس وضوابطه المنهجية، والتمييز بين مختلف تياراته، مع ربط ذلك بالظروف الفكرية والاجتماعية التي كانت قاعدة لانبثاق هذا الخطاب وامتداده ثم انكماشه أو اندراجه ضمن خطابات نقدية أخرى، يقول موضحا ذلك:« لم يهتم الباحثون (المؤرخون) بتحديد المراحل التي قطعها خطاب علم النفس في النقد الأدبي العربي الحديث، وإنما اهتموا باستعراض أبرز أعلامه حسب التتابع الزمني، دون ملاحظة المحطات الأساسية التي تم فيها التحول من طور إلى آخر، وإن أجمعوا على أن سنة 1938 التي تم فيها تأسيس ميدان جديد في قسم اللغة العربية بالجامعة المصرية يهتم ببحث صلة علم النفس بالأدب قد لعبت دورا مهما في تطوير الاستفادة من علم النفس في دراسة الظواهر والشخصيات الأدبية. كما اتسم تأريخهم بنظرة أحادية تؤرخ للنقد النفسي مفصولا عن البناء الفكري والاجتماعي الذي كان المهد الطبيعي لهذا النقد» (ص48.) ويردف موضحا : « لم يهتم الباحثون أيضا بتحديد التيارات التي تمايزت داخل خطاب علم النفس في النقد الأدبي العربي الحديث، وتحدثوا عنه باعتباره مجالا متجانسا، وإن أشاروا بين الفينة والأخرى إلى بعض التمايزات ، فإنهم لم يرتبوا

المزيد


الشعر والشعرية عند الحبيب الفرقاني

يوليو 25th, 2011 كتبها يوسف الإدريسي نشر في , أبحاث ودراسات, مشاركات علمية

                                                                 « القصيدة جمال ، ولايمكن أن تكون جميلة ، إلا وهي تتحدث عن جمال ،                                         وتصدر عن جمال ، وتعانق جمالا وتدعو إليه . حيثما كان الجمال ، وحيثما                                            يجب أن يكون .. في الطبيعة أم في الإنسان ، أم في علائق الحياة                                                  الجميلة بينهما. » الفرقاني

                                      

 

تمهيد:

لم يكن محمد الحبيب الفرقانـي مجرد شاعر، وإنمـا كان علاوة على ذلك ناقدا للشعر والشعـراء، ومنظرا لحركية القصيدة العربية- والمغربية خاصة- ومقاربا لتحولاتها البنيوية والفنية عبر رصد أبرز الملامح الشكلية والإيحائية التي وسمت سيرورتها التاريخية وطبعت صيرورتها الجمالية.

ولذلك، ففضلا عن بعض مقالاته الأدبية التي نشرها في الصحف والمجلات، وعبر فيها عن تصوره للشعر وتقويمه للنتاج الشعري بالمغرب خلال الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن العشرين، كان يستهل أغلب مجموعاته الشعرية بمقدمات يعرض فيها تصوره للشعر، وضرورته الجمالية والاجتماعية، ويقوم فيها حركة القصيدة المغربية وتحولاتها في ضوء المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعتمل في الواقع المغربي آنذاك .

وقد كان بذلك رائدا في هذا المجال، إذ يشهد له- بالنظر إلى المرحلة التي عاش فيها - بأنه من أوائل الشعراء المغاربة الذين خصوا دواوينهم الشعرية بمقدمات نقدية وتنظيرية، تستقرئ الراهن الشعري، وتستشرف الآتي، وتسهم من ثمة في توجيه حركية الشعر المغربي.

ومن الملاحظ أن الحبيب الفرقانـي في كل ما كتب حول الشعر والشعراء كان تحكمه وتوجهه الأسئلة نفسها؛ من قبيل: ما الشعر ؟ وما خصائصه الجمالية ومقوماته الفنية التي توشحه بصفة الأدبية؟ وهل للشعر وظيفة في الحياة اليومية والاجتماعية والسياسية للأفراد والجماعات؟ أم أنه لايعدو أن يكون خطابا إمتاعيا لا يستهدف بجماليته أي غاية نفعية؟

وقبل استعراض أبرز تصوراته بهذا الخصوص، تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الأسئلة ظلت ملحة ومترابطة في تاريخ الشعريات الحديثة والقديمة على حد سواء، إذ إن كل المقاربات النقدية لسؤال "ماهية الشعر" كانت تجد نفسها في مواجهة مطلب ضرورة تحديد " المهمـة " أو الوظيفة التي يؤديها الشعر أو عليه أن يؤديها في الحياة اليومية للإنسان، كما أن دراسة الشعر، والبحث في تطوره أو تحوله كان يتم من خلال النظر في مدى التزام الشعراء بتصور خاص للشعر، وحرصهم على " توظيفه " لأداء مهمة معينة مرتبطة بموقف من الحياة أو من الصراع المعتمل في المجتمع؛ هذا مانلاحظه بدءا من الشعريات الأرسطية التي لم تفصل الحديث عن سؤال نشأة الشعر وأداته وأنواعه عن غايته التطهيرية[1]، مرورا بالشعرية العربية التي لم يكن بالغ اهتمامها بالتأكيد على المكونات الشكلية للقصيدة من إيقاع ودلالة وإيحاء، إلا مقدمة للتنبيه على وظائفها الجمالية والتأثيرية[2]، ووصولا عند المذاهب الأدبية الحديثة ، التي يمكن الزعم هنا أن تاريخها واختلافاتها تعود في جانب كبير منها إلى تصور كل منها لوظيفة الأدب في الحياة، وتحديدها لتلك الوظيفة في التعبير عن المجتمع ، أو عن الذات والطبيعة، أو تخليص الأدب من أي غاية تعبيرية مسبقة…

و يلاحظ المستقرئ لكتابات الحبيب الفرقانـي حول الشعر، أنه ظل يؤكد فيها باستمرار على مستواه الوظيفي الذي يتعلق بالغاية التي يؤديها للإنسان وفي الحياة والمجتمع؛ أما الجانب الآخر الذي يتصل بماهية هذا الخطاب الجمالي ويعنى بتحديد بواعثه و خصائصه الشكلية والجمالية، فيكاد يكون مهملا في كتاباته، إذ لانعثر - في حدود ما اطلعنا عليه - إلا على إشارات قليلة ومتفرقة بخصوصه، وقد جاءت في مجملها متناثرة ومجملة ، واتسم إيرادها بالعرضية . وستحاول هذه الورقة جمع شتاتها وإعادة بنائها وتركيبها ، قصد صياغة مفهومه للشعر وتصوره للشعرية .

أولا- مفهوم الشعر عند الحبيب الفرقانـي:

يتحدد مفهوم الشعر عند الحبيب الفرقانـي بوصفه تعبيرا عن رؤى الإنسان ومشاعره الداخلية إزاء ظواهر العالم المادي والعلاقات الطبيعية والاجتماعية؛ إنه نشيد ثائر انبثق من أعماق النفس الإنسانية للتغني بدنو ساعة التحرر والتبشير بميلاد الفجر الجديد.

ولا تنصرف الحرية والثورية هنا إلى الجانب الاجتماعي والسياسي للحياة، ولكنها تتصل أولا بالجانب الذاتي للفرد؛ إذ قبل أن يساهم الشاعر في تحرير الناس وقيادة حركتهم الثورية عليه أن يفك أولا قيود ذاته، فيتخلى عن المشاعر الفردانية، والأحاسيس المباشرة المحدودة التي ترتهن بظواهر الواقع المادي،ويحرر لغته من ابتذال الكلمات المألوفة والعبارات المستهلكة والصور والأخيلة المستمدة من الماضي والمنشدة إليه، لأن الشعر باعتباره خطابا جماليا للذات« يصدر من أصفى المنابع في كيان الإنسان وينطلق من حاسته الداخلية للرؤية والفهـم ، ويكون لغة الرقة والإحساس الباطني في نجاواته الحرة .» [3]

ومن الملاحظ أن الحبيب الفرقانـي في كل ما كتب كان يحرص على التأكيد أن الشعر رديف الحرية و صنوها، بها تتحدد ماهيته ومنها يشع جوهره، وهذا ما يتبين من قوله في سياق حديثه عن نشأة الشعر: حيث يرى أن الشعر هو التعبير عن المرائي والمشاعر الداخلية إزاءها، إنه وسيلة الإنسان الأولى للخروج من نفسه..وأداة تحرره من الاعتقال الداخلي…إنه قناة مرور الذات ومشاعرها وأحاسيسها إلى العالم الخارجي…فتحت « ضرورة الخروج من الذات، والحاجة الحيوية للتواصل مع الغير..تحركت الكلمة في شفتي الإنسان. وحين لم تتجاوز طاقاتها الأدائية شرح العاديات في صورتها المادية البسيطة، استعانت بالموسيقى، وتغورت معها إلى أعماق الخوالج والنبضات القلبية، فعادت منها فورا بشحنات من حرارة الحضور وذكاوة الإحساس. فتحولت على الفور إلى شعر..ذبذبات شعورية محمومة، وافدة من الأعماق، لتنتقل إلى الآخرين. وتستقر في الأعماق:..بيتا..مقطوعة..أغنية قصيدة..زجلا، موالا» [4] .

ولم يكن الشاعر في انشداده إلى الحرية وتغنيه بها يعبر عن طموح فردي مغرق في الذاتية، ولكنه كان يصدح بذلك وفي ثناياه عن صوت جماعته أو قبيلته التي ينتمي إليها؛ إذ الشعر لم يكن يوم نشأ– بحكم طبيعته الشعورية ومنبعه الفطري الأول– إلا تعبيرا عن رغبة وجدانية للذات في « التكاشف والتفاهم مع الآخر والتلاقي..على الأعماق معه»[5] .

وهذا ما يؤكده تاريخ الشعرية اليونانية، وتشهد به الشعرية العربية القديمة

المزيد


آليات تحليل الخطاب الأدبي عند بيير بورديو

يوليو 25th, 2011 كتبها يوسف الإدريسي نشر في , أبحاث ودراسات

 

 

           تمهيد:            

 

       كما هو شأن السياسة والاقتصاد والأسرة والصِّحافة  والرياضة وغيرها من الحقول الاجتماعية التي تكون العالم الاجتماعي، حظي الحقل الأدبي عندبيير بورديو بوقفة خاصة وتأمل عميق؛ ففضلا عن بعض الفصول المستقلة والإشارات المتناثرة في بعض كتبه مثل كتاب: حب الفن، وكتاب: أسباب عملية-بصدد نظرية الممارسة، وكتاب: العقلانية العملية- حول الأسباب العملية ونظريتها، خصه بكتاب ضخم وهام حاول في ثناياه – كما يشي بذلك عنوانه – وضع : قواعد الفن – تكون الحقل الأدبي وبنيته .        

        ولم يكن انفتاح بورديو على مجال الأدب وليدترف فكري أو نتاج تطفل مجاني، فكتبه التي سبق الإيماء إليها تنم بجلاء عن إلمامه الواسع بأكبر النظريات النقدية، واستيعابه لمناهجها التحليلية وتمثله لخلفياتها الفكرية والأدلوجية، الصريحة والمضمرة، ويستشف منها أيضا أنه كان شغوفا بقراءة النصوص الأدبية، والتردد على المعارض والمسارح لمتابعة الأعمال الفنية المتميزة. ويحيل هذا الأمر على إحدى أبرز السمات التي تميز بورديو؛ فقد كان له اطلاع موسوعي ودراية عميقة  بشتى الحقول الاجتماعية، وكانت له قدرة خاصة على بسط القول وتعميق النظر فيها.

        وسواء بالنسبة إلى حقل الأدب أم بقية الحقول الأخرى، كان بورديو يروم من دراساته وتحليلاته إبراز البنى الخفية التي تخص مختلف الحقول الاجتماعية، وتحديد الآليات التي تنزع إلى ضمان إعادة إنتاج تلك البنى أو تحويلها[1]  .

       ذلك  أن الأعمال الأدبية ليست في منظور علم الاجتماع الثقافي ظواهر اجتماعية فريدة وخارقة في إدراك العالم وتمثله، ولاتتطلب مقاربتها – بدعوى تعاليها واستقلالها الذاتي- تخصيصها بنوع متميز من القراءة، وإنما هي نتاجات عادية لاتكتسي – مقارنة بالنتاجات الاجتماعية الأخرى- أي شرف أو فضل، إذ بالرغم من الاختلافين النوعي والوظيفي بين الأدب والسياسة والاقتصاد والإعلام وغيرها من الحقول الاجتماعية، إلا أنها تحكمها كلها بنية من العلاقات ، ونتطوي على كل السمات المميزة لسيـرورة حقولها ( علاقات القوة ، ورأس المال، واستراتيجيات ، ومصالح)[2].

 

      1- آليات تحليل الحقول الاجتماعية:

       وبالنظر إلى تعدد حقول اشتغال بورديو وتنوعها، فقد صاغ جهازا مفهوميا لدراسة كل الظواهر والنتاجات الاجتماعية باستطاعته أن يحدد – على نحو دقيق وعميق- ماهيتها ويكشف قوانينها وميكانيزماتها الجوهرية، ومن أبرز خصائص هذه المفاهيم في النسق النظري والتحليلي لبورديو كونها لا تشتغل بمعزل عن بعضها البعض، إذ إنها متداخلة ومتكاملة، وكل واحد منها يحيل على الآخر ويستدعيه . وتتحدد تلك المفاهيم في : الحقل le champ.والسَّمْتHabitus  والسلطة الرمزية Pouvoir symboliqueوالرأسمال  Capitalوالتميزdistiction.

       مفهوم الحقل: الحقل نسق بنائي من القوى الموضوعية، وهو « تشكل علائقي له جادبيته الخاصة،وبإمكانه أن يفرضها على كل الموضوعات والفاعلين الذين يدخلونه »[3]، ويتكون الحقل من مجموعة علاقات موضوعية وتاريخية بين أوضاع تقوم على بعض أشكال السلطة أو الرأسمال الرمزي، وهذا ما يجعله فضاءً للصراع والتدافع والهيمنة، إذ إن ما يصنع تاريخ الحقل هو الصراع بين المتحكمين ( أو المهيمنين) والطامعين، بين حملة المنصب أو اللقب (سياسيون واقتصاديون و فلاسفة وعلماء ورياضيون…) ومبارزيهم، فتاريخه محكوم ومشروط بالنضال من أجل احتكار فرض مقولات الإدراك والتقييم الشرعية، فبالنضال يتشكل في الزمان، ذلك أن دخول الكتاب والمدارس والأعمال في مرحلة الشيخوخة هو نتاج صراع بين أولئك الذين مضى عليهم الزمن، والذين يكافحون في سبيل الاستمرار ، والذين لا يستطيعون بدورهم أن يدخلوا دائرة الضوء دون أن يطردوا إلى الماضي كل أولئك الذين لهم مصلحة في تأبيد الحاضر ووقف عجلة التاريخ [4].

    وليس الحقل أمرا آخر غير طرف صغير من العالم المجتمعي محكوم بشفرات خاصة وقوانين محددة؛ أي قوانين " الوسط"، فالحقل الجامعي أو الصِّحافي أو الأدبي أو الفني(…) تشكل عوالم مجهرية، عوالم التواطؤ في منظور المنتسبين إليها.

      مفهوم السَّمت: السَّمت نسق من الاستعدادات الدائمة والقابلة  للنقل؛ إنه « بنى مبنية مستعدة للاشتغال بصفتها بنى بانية، أي بصفتها مبادئ مولدة ومنظمة لممارسات وتمثلات يمكنها أن تكون موضوعيا مُكَيَّفَة مع هدفها دون افتراض القصد الواعي للغاية، والتحكم السريع في العمليات الضرورية لبلوغها»[5].

      وبصيغة أخرى، إنه عبارة عن مجموعة من العلاقات التاريخية " المودعة " في أحضان الأجساد الفردية على شكل أخاطيط واستعدادات ذهنية وجسدية للإدراك والتقويم والفعل، والتي تنتج عن عملية التنشئة الاجتماعية  للفرد، وتجعل منه فاعلا اجتماعيا في إطار حقل اجتماعي معين.

      مفهوم السلطة الرمزية: السلطة الرمزية هي « السلطة شبه السحرية التي تسمح بالحصول على ما يعادل ما تم الحصول عليه بالقوة(المادية أو الاقتصادية)، بفضل الأثر المتميز للتداول »[6] ، وتتبدى عبر مجموعة من القرائن الصغيرة والمستترة جدا، غير أنها كفيلة بإبراز الوضع السامي لشخص معين، ومن هذه القرائن مثلا: مكتب واسع وفسيح مؤثت بأجهزة هاتف متعددة، سيارة فخمة بسائق خاص ، شهادة ممهورة فوق بطاقة زيارة ، الأساليب المعهودة في المسلكيات البيروقراطية التي تجعل الضيوف ينتظرون طويلا، أساليب التعبير بكيفية سلطوية آمرة….

     مفهوم الرأسمال : ليست النقود وحدها عماد الحياة، ولا تُحَدَّد المواقع المجتمعية للأفراد ولا يعاد إنتاجها اتكاءً على الرأسمال الاقتصادي، وإنما ثمة رؤوس أموال أخرى تلعب أدوارا فاعلة، بل وحاسمة في عمليتي تحديد وإعادة إنتاج المواقع والأدوار المجتمعية؛ وذلك من قبيل الرأسمال الثقافي (الشهادات والمعارف المكتسبة والشفرات الثقافية طرائق الكلام وأساليب الحديث) ، والرأسمال المجتمعي (الارتباطات والعلاقات المجتمعية) والرأسمال السياسي والرأسمال الأكاديمي[7].

    مفهوم التميز : يعني التميز تثقيف الاختلاف الذاتي ، وفن التميز البورجوازي، على سبيل المثال يعني الاختلاف، ويحتل التميز قلب اللعبة المجتمعية؛ إذ إنه أحد محركات السلوكية المجتمعية سواء في حقل التربية والعمل وأوقات الاستجمام، أم في الممارسات المطبخية[8] .

       تعتبر هذه المفاهيم من أبرز الآليات التي توسل بها بورديو في دراسة مختلف الحقول الاجتماعية وتحليلها، ومن ضمنها الأدب، لكونها تستطيع بفضل تماسكها المنهجي وعمقها النظري والتحليلي أن تبرز البنى الخفية لكل الحقول، وتبين طرائق اشتغالها، وتحدد أنظمتها العلائقية الداخلية والخارجية التي تظهر بجلاء وجود تماثل بنيوي بين الإنتاج الثقافي والحقل المجتمعي الذي أنتج فيه.

 

     2- السبيل إلى علم اجتماعيات الإنتاج الثقافي:

      بغاية بيان كيفية اشتغال تلك المفاهيم في حقل الأدب، انطلق بورديو من دحض الأطاريح السائدة، سواء تلك التي تزعم أن النتاجات الثقافية عامة والأعمال الفنية والأدبية خاصة تعبير عن نشاط إبداعي فريد للذات يتعالى على الوصف أو التفسير، والتي تلخصها نظرية الإلهام والإبداع التي طالما جلبت الغبن على الأدب، أم تلك التي تنظر إلى الأعمال الثقافية باعتبارها دلالات غير زمنية وصور خالصة، بلا فاعل لها وتستبعد الإحالة على أي مرجع أو شرط اقتصادي أو اجتماعي في قراءتها ، أم تلك التي تنظر إلى العلاقة بين العالم الاجتماعي والأعمال الثقافية من زاوية علاقتها بالواقع المادي ، وبطبيعة انعكاس الصراعات الطبقية في عوالمها.

       فبالنسبة إلى التصور الأول أوضح بورديو أن ليس في الأدب أي شيء خارق أو معجز أو ما يتطلب تخصيصه بنوع فريد من القراءة والنظر والتحليل، لكونه نتاجا اجتماعيا محكوما بعوامل موضوعية مضبوطة، فبدل البحث في السِّيَّر الشخصية للكتاب،  والانشغال بأوهام كشف أسباب تفردهم وتفسير أسرار تعاليهم، يجب البحث عن تميزهم انطلاقا من تحديد العلاقة الموضوعية بين سُموتهم التي تشكلت ضمن شروط اجتماعية معينة(الموقع الاجتماعي والوضع الرمزي في العائلة والعلاقة بالنظام التعليمي وغير ذلك)، وموقع كل واحد منهم في مجال الإنتاج الأدبي . وبعبارة أخرى يجب على البحث أن ينصب على معرفة الأصل الاجتماعي للكاتب موضوع الدراسة، وعلى الخصائص المتشكلة اجتماعيا الواجب توفرها عنده، وبعد ذلك تفسير كيف تمكن من تشغيل أو إنتاج المواقع المصنوعة سلفا أو التي يتعين صنعها، والتي تقدمها حالة معينة في الحقل الأدبي، ومن ثمة ، إبراز درجة تعبيره عن المواقف التي كانت مغروسة في الحالة الكامنة داخل هذه المواقع[9] .

        وفيما يخص التصور الثاني، وهو النظرية البنائية ، يُلاحظ بورديو أن اقتصارها  في معالجتها للأعمال الأدبية على النظر في العلاقات النسقية بين بناها الداخلية، وإصرارها على التعامل معها بوصفها كيانات مستقلة لها قوانينها الخاصة التي تخضع إليها ، جعلها تُهمل الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تسهم وتؤثر في إنتاج تلك الأعمال، وتغفل العناصر الفاعلة والمؤسسات التي تنتج موضوعاتها[10].

       أما فيما يخص التصور الثالث الذي يدرس العلاقة بين العالم الاجتماعي والأعمال الثقافية من زاوية نظرية الانعكاس، فإن انشغاله بإرجاع النتاجات الأدبية إلى إحدى الرؤى الاجتماعية للعالم التي تعبر عن المصالح المادية لطبقة معينة، جعل أصحابه يغفلون المنطق الداخلي للموضوعات الثقافية وبنيتها كلغة؛ وعلى مستوى أعمق يؤدي إلى نسيان  الجماعات التي تنتج لهم تلك الموضوعات (رجال دين وحقوقيون ومثقفون وكتاب وشعراء وعلماء رياضيات…)، والذين تؤدي لهم تلك الموضوعات بعض الوظائف أيضا[11]

المزيد


الخطاب المقدماتي عند العرب: قراءة في كتاب الدكتور عباس أرحيلة”مقدمة الكتاب”

يوليو 25th, 2011 كتبها يوسف الإدريسي نشر في , أبحاث ودراسات, مشاركات علمية

 

يندرج كتاب : مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع ضمن مشروع علمي هام وكبير استهله الأستاذ: الدكتور عباس ارحيلة بكتاب : البحوث الإعجازية والنقد الأدبي إلى نهاية القرن الهجري الرابع، وأعقبه بكتاب : الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين إلى حدود القرن الثامن الهجري، ثم كتاب : مسألة التاثير الأرسطي لدى مؤرخي النقد والبلاغة ، فضلا عن العديد من المقالات التي دأب على نشرها في المجلات والدوريات العربية منذ ما يزيد على عشرين سنة.

      ويطمح هذا المشروع العلمي إلى استقراء العلوم العربية الإسلامية، وتتبع مختلف التحولات النظرية والمنهجية التي طرأت عليها عبر سيرورتها التاريخية والمعرفية، ومن ثمة، إبراز التصورات والمفاهيم العربية الأصيلة وتمييزها عن تلك المستمدة من العلوم الدخيلة، والتي نتجت عن تفاعل الثقافة العربية الإسلامية مع ثقافات الامم الأخرى التي دخلت حظيرة الإسلام.

     وإذا كان الأستاذ الفاضل: د. عباس ارحيلة قد أوضح في كتابيه الأولين أن الخطابين النقدي والبلاغي عند العرب يمتلكان حصانة ذاتية تجعلهما في مأمن من كل أثر خارجي، كما تجعلهما ينعطفان على الماضي ، ويستلهمان مفاهيمهما من طبيعة مادة الشعر الجاهلي، ومن خصائص التعبير البياني للقرآن الكريم، ومن المباحث اللغوية والدينية التي ظهرت خلال القرنين الهجريين الأولين، فإنه يريد أن يبين في هذا العمل العلمي الجديد ، الذي نحن الآن بصدد الاحتفاء والاحتفال به أنه مثلما كانت القضايا العلمية والتصورات النظرية والاليات المفهومية التي صاغها العلماء والنقاد العرب لتحليل الخطاب ، وضمنوها في كتبهم مستمدة من صميم الثقافة العربية الإسلامية ، ولم تتاثر في العمق بالموروث الثقافي للأمم الأخرى، فكذلك المر بالنسبة إلى طريقة ترتيت مواد الكتاب وكيفية إنتاج خطاب لغوي واصف لمتنه ومقصوده، ومقدِّم له بين يدي القارئ.

      لقد أدى شيوع الكتابة ، وتنامي حركة التأليف المنظم في الثقافة العربية الإسلامية منذ منتصف القرن الهجري الثاني إلى وعي العلماء العرب بضرورة تحديد ضوابط الكتابة، ووضع قواعد التأليف لتكون عمادا للأدباء والكتاب والناشئين في إنتاج مؤلفاتهم. وقد عملت العديد من الكتب منذ القرن الهجري الثالث –وهي لحظة تاريخية حاسمة ودقيقة في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية- على تحديد بعض تلك الضوابط والقواعد.

     ويستشف من الأحكام والتصورات التي تضمنتها تلك الكتب، والتي تروم التقعيد لأفانين الكتابة وطرائق صناعة المؤلفات وتقديمها للقراء أن العرب قد ميزوا –في وقت مبكر من ثقافتهم- بين مستويين من الخطاب في البنية النصية لكل مُؤَلَّف: أحدهما أساس، والآخر تمهيدي أو تصديري بلغتهم ، كما سيتضح لاحقا.

     فأما الأول ، فيمثله متن الخطاب الذي يروم المؤلِّف إبلاغه للقراء المستهدفين؛ واما الثاني فتجسده مجموع العناصر التي ترافقه وتسبقه غالبا – حسب تقاليد صناعة المؤلفات قديما- والتي تتقدم باعتبارها خطابا واصفا للاول ومقدما له بين يدي القارئ.

     فقبل الشروع في عرض مضامين الكتاب وإبلاغ الخطاب المقصود ، كان الكاتب العربي يعي – نظريا على الأقل- أن عليه أن ينتج نصا موازيا لنصه الأصلي، يهيء فيه قارئه المفترض – ذهنيا ونفسيا ومعرفيا- ليتلقى خطابه على النحو الأفضل، وذلك من خلال التصريح باسمه، وتحديد طبيعة موضوعه، وتعيين مجاله المعرفي، وكشف الدواعي الذاتية والموضوعية لتأليفه له، والإحالة على المنطلقات النظرية التي تةجه تصوراته واحكامه، والضوابط المنهجية التي تتحكم في طرائق عرضها وتحليلها والدفاع عنها.

    ويتحدد نسق هذه العناصر فيما توافق القدامى على تسميته "الرؤوس الثمانية" ، وفي هذا الإطار يقول تقي الدين المقريزي (ت 845هـ) : "اعلم أن عادة القدماء من المعلمين قد جرت أن يأتوا بالرؤوس الثمانية قبل افتتاح كل كتاب، وهي الغرض والعنوان والمنفعة والمرتبة وصحة الكتاب ومن أي صناعة هو وكم فيه من أجزاء وأي أنحاء التعاليم المستعملة فيه." [1]، وفي السياق نفسه يقول محمد علي التهانوي (ت 1158هـ):" الواجب على من شرع في شرح كتاب ما أن يتعرض في صدره لأشياء قبل الشروع في المقصود يسميها قدماء الحكماء الرؤوس الثمانية. أحدها الغرض(…) وثانيها المنفعة (…) وثالثها السمة (…) ورابعها المؤلف (…) وخامسها من أي علم هو (…) وسادسها أنه من أي مرتبة هو (…) وسابعها القسمة (…) وثامنها النحاء التعليمية (…) ."[2]

      ف"فاتحة الكتاب" حسب المقريزي، أو " صدر النص" بعبارة التهانوي غير مقصوده، لأن كل واحد منهما له وقعه الخاص في فضاء النص، كما يوحي بذلك الظرف في قولهما: " قبل افتتاح كل كتاب"، و "قبل الشروع في المقصود"، والذي يشمل الزمان والمكان (أي زمن الكتابة وموقع المكتوب بالنسبة إلى البنية الكلية للخطاب). 

     ويتجلى الاختلاف بين الاستفتاح أو الصدر والمقصود في كون الأول لا يعدو أن يكون وسيلة لرسم صورة عامة ومركزة عن موضوع المتن، إلا أنها وسيلة "ضرورية" ، لأنه لا يمكن تصور نص –بالمعنى المفهومي للنص حسب تقاليد التأليف عند العرب- دون عناصر التصدير، وهذا ما تنم عنه كلمتا "اعلم" و " الواجب" في مستهل النصين السا

المزيد


“كرامات” سيدي رحال البودالي في المتخيل الشعبي

يوليو 24th, 2011 كتبها يوسف الإدريسي نشر في , أبحاث ودراسات

 

 

         تحرص كل المجموعات البشرية على تقسيم العمل، فتوكل إلى كل فرد منها – بالنظر إلى مؤهلاته الذهنية والفكرية، وقدراته العلمية والعملية - مهمة معينة، ويتولى " الصالح " في إطار هذا التقسيم الاجتماعي للعمل - وبالنظر إلى اعتراف جماعته له بتميزه عن سائر الناس  - مهمة تنظيم العلاقات مع الغيب  ، وذلك نتيجة الكرامات التي تظهر عليه و" البركات " التي يشهد له بها ، وهذا مايسمح له بتأدية أدوار معينة قد تتجاوز أحيانا كثيرة ماهو روحي إلى ماهو مادي  .

      بعبارة أخرى ،إذا كان شرط التميز الاجتماعي هو مايحدد أساس تقسيم العمل وطبيعته ، فإن الكرامة باعتبارها قدرة خاصة على علم الغيب والحديث عن الخواطر والتصرف في العوالم هي التي تسمح للأولياء بالتوسط بين الله تعالى وبقية الناس ، لأن الحق سبحانه كما يقول ابن خلدون : « فضلهم بخطابهم وفطرهم على معرفته ، وجعلهم وسائل بينه وبين عباده ، يعرفونهم بمصالحهم ويحرضونهم على هدايته »[1]

      وغني عن القول إن الكرامة بالنظر إلى ارتباطها بالجانب الروحي للنفس الإنسانية وبقواها الباطنية تثير الكثير من النقاشات ، بل والتحفظات لكونها تستعصي على التفسير العلمي ، ولا تخضع لإجرائية التحليل العقلي والتجريبي  ، فالكرامة ترميز لمبادئ وقيم ، وتجسيد لقوى النفس الخارقة التي كانت ومازالت عصية على الفهم والتفسير .

     وبغض النظر عن كل مايطرح في هذا الإطار، يلاحظ أن مايشكل قوام الكرامة هو : العجز

1-    عجز المريدين والأتباع عن بلوغ درجة التقوى والربانية التي وصل إليها الولي .

2-  عجز الناس " العاديين " عن القيام بالأعمال الخارقـة التـي يقوم بها الولـي( الكرامات والبركات ).

3-    عجز العقل عن فهم " الكرامة " وتفسيرها .

        ومن هذا الإقرار المتنوع والمختلف المستويات بالعجز والفشل  تكتسي الكرامة خصوصيتها ( العجائبية والغرائبية ) .

       وليس غريبا والحال كذلك أن تشير بعض الدلالات اللغوية لكلمة " منقبة " إلى هذا المعنى؛ فقد جاء في لسان العرب لابن منظور أن « المنقبة » هي الطريق الضيق بين دارين لا يستطاع سلوكه[2] . وإذا كان معلوما أن الدلالات الاصطلاحية للكلمات تتشكل – في كثير من الأحيان -على أساس بعض الدلالات اللغوية المترسبة في سجلها التداولي ، والتي تحمل في ذاكرتها مايمكن تسميته "  الأنوية " الاصطلاحية ، فمن الواضح أن " المناقب " بالمعنى الاصطلاحي الذي تستعمل به ، والتي تنعقد هذه الندوة لتدارسها من خلال سيرة الشيخ رحال البدالي [3]وما يرتبط بها من حكايات وكرامات ، تؤكد إقرارا صريحا ب " عجز " الناس أو المجموعة الاجتماعية التي أعطته صفة الولاية عن بلوغ الدرجة التي وصل إليها من الطهر النفسي والرقي الروحي ؛ إنه عجز يطبع عبور العبد دار الفناء إلى دار البقاء دون " ارتكاب السيئات " ، لأن نفسه  تقع أحيانا كثيرة في شراك المعاصي وتنقاد وراء الشهوات الزائلة ، ووحدهم الأولياء الصالحين يستطيعون سلوك هذا الطريق الضيق بين الدارين ، فتظهر علامات توفقهم وتفوقهم على بقية الناس في شكل كرامات وبركات … 

         ولا تتحقق الكرامة دائما في كل وقت وحين  ، بل إن لها أوقاتا  معينة ترتبط بعوارض تحدث للولي في خلوته ، أو في  رباطه مع مريديه ، أو في معرض مكروه يصيب الناس ، أو خطر يتهددهم.

        أما مضامينها فقد طالت موضوعات « عديدة قد تنحصر في خطوط عريضة : الشوق إلى الخلود ، ثم التمحور حول خلق العالم والإنسان والأرواح والصلة بين هذه الأطراف ، ثم المشكلات التي يثيرها الموت وما بعده بشكل خاص . وفي احتضانها لهذه التوجهات الإنسانية ، ارتكزت الكرامة على عدة إيمانات هي : إيمان بقدرة الصوفي على القفز فوق البشري والطبيعي ، إيمان بطبيعة إلهية داخل الطبيعة البشرية عند الصوفي ؛ وإيمان بان هذا يتجاوز المآسي البشرية ، والمخاوف »[4].

      بيد أن ما يلاحظ على الكرامة كونها تتداول بشكل شفاهي على الأقل في بداية حدوثهـا ، ولايتم تدوينها – هذا إن دونت فعلا– إلا في زمن لاحق ، هذا فضلا عن كون مؤلفها أو راويهـا الأول  يغيب فيها طوعا ،ويترك العلاقات والإيحاءات تنتظم داخلها لصالح صاحب الكرامة .

     والواقع أن الشفاهية من العوائق الكبيرة التي تعترض الدراسة العلمية لكل ظاهرة ، وخاصة ظاهرة الأولياء ومناقبهم وكراماتهم ، إذ  المصدر الوحيـد لاستقـاء بعض الأخبـار والمعلومات الخاصة بحياتـهم ما تناقلته الأجيال تلو الأجيال  شفاهيا ( الخطاب الشفاهي+ الأتباع) وبغض النظر عن الأحكام والمقاربات التي تقوم هذا النوع من الخطاب ، وعن المواقف التي يمكن تسطيرها بخصوص العلاقة بين الاستماع للحكاية والموقفين العاطفي والعقلي منها، وإعادة نقلها شفهيا للآخرين في سياقات زمنية و " نفسية-روحانية " مختلفة ، بغض النظر عن كل هذا وذاك،  وعن كل الملاحظات التي يمكن تسطيرها في هذا الإطار ، وتجاوزا لكل نقاش لايسمح به السقف الزمني لهذه المداخلة ، ولا الشرط العام الذي تندرج ضمنه الندوة ،  يجدر التأكيد أن شخصية الشيخ رحال البدالي ترتبط في الثقافة الشعبية بمناقب عديدة تلخص سيرة الرجل وتعترف له بالفضل وجليل الخدمات التي أسداها – في ظروف صعبة – للناس .

      فقد تدخل هذا العالم الجليل والرجل الصالح غير مرة لإيقاف معارك طاحنة وتوسط لحل نزاعات معقدة [5]، وبادر إلى إنقاذ حياة الناس من كوارث طبيعية مدمرة ، وقام بكل ذلك بنكران صوفي للذات  ، ومما زاد من تقدير أعماله مالوحظ عليه من تقوى وورع  ….وما شهد له به من كرامات جعلت الناس يحجون إليه من كل حدب وصوب للتبرك به ، وبابنيه " عمر " و " أحمد " فيما بعد اللذين انتقلت إليهما كرامات وبركات أبيهما [6].

      تشير الثقافة الشعبية والحكايات الشفوية أن كرامات الأولياء الرحاليين الثلاثــة : بويا رحال وبويا عمر وبويا أحمد كانت تماثل معجزات رسـل الديانات السماوية الثلاث: اليهوديـة والمسيحية والإسلام ، بل إن " شرفاء" هذه المنطقة  يذهبون إلى حد اعتبارهم ورثة معجزات الأنبياء وخلفائهم في منطقة تاساوت …وحسب الروايات الشفوية المحلية ذاتها ترتبط كرامات كل واحد منهم بمعجزة أحد الأنبياء ؛ فكرامة الشيخ رحال البدالي تماثل معجزة إبراهيم الخليل عليه السلام في تحويل النيران والمياه الحارقة إلى برد وسلام، وتشبه كرامات " بويا عمر"  قدرة سليمان عليه السلام على السيطرة على الجن والقوى الغيبية ، بينما يتطابق شفاء "بويا أحمد"  للأمراض المستعصية على العلاج والمؤدية حتما إلى الموت المحقق مع معجزة عيسى ابن مريم عليه السلام في إحياء الموتى .

     لاتطمح هذه الورقة إلى مناقشة مضامين تلك الكرامات ، وتحليلها بالنظر إلى النسق المنظم لها والذي تشتغل ضمنه ، ف «كرامات الأولياء من معجزات الأنبياء » كما هو متداول، وإذا كانت تلك الكرامات تروم في العمق بيان السمو والطهارة الروحيتين للأولياء الرحاليين ، فإنها  تنشد في الوقت نفسه ترسيخ قدسية المكان ومن ثم طهارة المنطقة ؛ فمثلما يتفاوت الأفراد في التقوى ودرجات الربانية ،تتفاوت الأمكنة في القدسية أيضا .

       بيد أن مايشكل موضوع انشغال هذه الورقة بدراسة هذه الكرامات والاشتغال عليها ، تأمل : لغتها ، والنظر إليها في علاقتها بالنتاجات الثقافية والرمزية والتخييلية للإنسان ، وذلك بالنظر إلى كونها تحتل« طبقة عريضة فـي عقلية الفرد ، وتقود سلوك فئات اجتماعية . »[7]، ولاتزال مستمرة داخل الذهنية الفردية بأشكال وألـوان مختلفة  .

       في هذا السياق ، يجدر التأكيد أن الكرامة  تصاغ بلغة « مكثفة ومكَنَزَة بالإشارات والمصطلحات وخاصة الرموز التي تستند إلى الجذور المنغرسة في اللاوعـي للفرد أو للجماعة . من هنا تنبع صعوبة ولوجها ، وتعنت ألفاظها الخاصة أو مصطلحاتها … » [8].

      وغني عن الإشارة إلى أن التصوف حين يلجأ إلـى الغريب في اللفظ ، يضطر  أيضا إلى اللجوء إلى الرمز في الكرامة  للتعبير عن التجربة الروحية  ، لكونها تستعصي على اللغة الطبيعية ولا تتسع لدلالاتها الخاصة  الكلمات المعجمية والدلالات المتداولة . 

      وإذا كانت الرموز التي توظفها الكرامة لا تختلف عن تلك التي توظفها النتاجات الثقافيـة الأخـرى للإنسان ، إذ تتكـرر مواضيعها وعناصرها وإيحاءاتها بتلوينات مختلفة ومستويات متباينة ، ولئن كانت أيضا تؤدي في الكرامة مقصدية خاصة ذات طبيعة قدسية ، فإن الغاية التي تحكم اشتغالها وتوجه طرق انتظام بنياتها،  سواء في الكرامة أم في النتاجات الثقافية الأخرى، تتحـدد « في إشباع الحاجات الغريزية للذات المتخيلة وتكييفها مع إكراهات الواقع الموضوعي وإرغاماته » [9]  .

      فقد كانت تتملك الإنسان رغبات  عدة وتسكنه هواجـس كثيرة وتواجهه دائما مخاوف قاتلة مـن المصير المأساوي الذي يتربص به ، والذي يتجسد في عوالم الموت والليل والحيوانات المفترسة والكائنات الغيبية المرعبة ودورات الزمن وتقلباته الساحقة ،وما يرتبط بذلك ويتولد عنه من رموز وصور وتمثلات ذهنية. وسواء في الحياة اليومية العادية ، أم في النتاجات الثقافية والتقنية وغيرها ، كان يعمل الخيال الإنساني باستمرار على خلق آليات المواجهة والتصدي ، وذلك عن طريق التمثيل الرمزي:

  « فأن نصور شرا أو نمثل خطرا أو نرمز إلى قلق معناه أننا سيطرنا عليه بملكة التفكير (…) إن الخيال يستدرج الزمن إلى الميدان الذي يقدر فيه على هزمه بكل سهولة ، وفي اللحظة التي يضخم فيها مسوخ الموت المرعبة ، يشحذ بسر الأسلحة التي تصرع التنين . إن التضخيم السلبي ليس إلا ذريعة للطباق »[10] .

      إذا كان ذلك يعني أن الخيال يعتبر تعويذة يتدثر بها الإنسان من رعب الزمن وإرهاب المصير المظلم الذي يتربص به ، فإنه يبرز أن كل المتخيلات تمثل مضادات ذهنية للخوف الوجودي الذي يسكن النفس البشرية ويجثم على تفكيرها في الذات والعالم والمستقبل ، لكونها تحرر الإنسان وتطهر أفكاره ومشاعره من الآثار السلبية المترسبة فيها نتيجة المعاناة اليومية المريرة إزاء رموز المصير المرعب والغامض والزمان القاسي والمتناهي التي تقود بلا رحمة إلى الموت ، فتعيد إليه بدل ذلك حبه للحياة وإقباله الحالم عليها والمتساكن معها . [11]

      وإذا جلنا في تاريخ الحضارات والمعتقدات الشعبية سنلاحظ تكرار الرموزِ نفسِها وانطوائِها على الدلالات عينِهَا ؛ فقد كان الأسد والثعبان والنار والماء وغيرها من الرموز الطبيعية والحيوانية كثيرة التواتر في الحكايات والأحلام عند الإنسان منذ القدم ، وكانت تجسد الصراع الأبدي بين قوى الشر والخير …

      ولاتكاد تختلف منافب " الشيخ رحال البدالي " عن كل ذلك ؛إذ تصور كراماته  خوف الإنسان من رموز الشر التي تذكر بالمصير المأساوي الذي يتربص به ، وسعيه إلى مواجهته والانتصار عليها ، ويكفي سرد بعض النماذج من تلك الكرامات التي تحكى عنه للتاكد من ذلك :   

                           « ذكر صاحب ممتع الأسماع أن سيدي رحالا قصد زيارة سيدي محمد بن داود البوزيري دفين  تادلا وكان أيضا من تلامذة الشيخ التباع فلما بلغ نهر أم الربيع وجده حاملا لايعبر فقال عليه كلاما متغنيا به فاشق النهر نصفين وصار بينهما طريق يبس فعبره هو وأصحابه   »[12]

      إذا كان عبور الشيخ رحال البدالي لنهر أم الربيع يستعيد معجزة  سيدنا موسى عليه السلام التي شق فيها بعصاه البحر ، فإن المهم هنا  ليس التساؤل حول حقيقة العبور أو البحث في تقاطعها مع أسطورة عابر النهر ( Reprobatusربروبارتوس) والتي تشكل موضوع إحدى أيقونات متحف أثينا أو غير ذلك ، وإنما النظر إلى فعل العبور في دلالته الرمزية ، والتي تعطيه صفة عميقة ذات إيحاء جنائزي ، وذلك باعتباره عملية انتقال من ضفة الجحيم إلى الضفة المقابلة ؛ أي ضفة النعيم، وقائد عملية العبور يرافق الأتباع والشيع في رحلتهم معرضا نفسه لأخطار العبور ، لأنه وحده القادر على إنقاذهم من بطش " الزمن " أو جبروت الطغاة ( فرعون ) وإيصالهم إلى بر النجاة .

      ولئن سبق الإلماع إلى بعض من ذلك  في معرض تفسير معنـى المنقبة ، فمن المهم الانتبـاه هنا إلى أن ما يضفي على عملية عبور النهر قيمة رمزية يتمثل أساسا في قدرة الإنسان على السيطرة على عنصر الماء الذي مثلما يرمز في المتخيل الإنساني للحياة والانبعاث ، يوحي كذلك بدلالات القهر والتدمير والاجتثاث؛ ف« المياه الجاريـة تمثل دعـوة لرحلة دون عودة ، إذ أننـا لا نستحم أبدا  في مياه النهر مرتين ، والسواقي لاتعود مطلقا إلى منابعها . إن المياه الجارية هي صورة القدر (…) هي رمز بؤس الزمن (…) هي ساعة مائية تمثل المصير (…) وهذا المصير مليء بالرعب ، بل هو الرعب بعينه » [13]، ولذلك فالسيطرة على الماء وإخضاعه لسلطة الكلام ، وهي سلطة مستمدة من كلام آخر أعلى ومقدس ، إنما هي سيطرة على الزمن وإعلان عن انتصار الإنسان الأنطولوجي على الحياة . 

     ويظهر هذا الانقلاب الرمزي من خلال العصا أو اللسان  ( فقال عليه كلاما متغنيا به ) ؛ ومن المعلوم أن اللسان باعتباره أداة للكلام  يرمز للقوة " إنه يدمر ويطهر "، ووقدراته غير محدودة ، ولذلك يصور عادة كالنار ، لكونه يتخذ شكل شعلة ملتهبة  (…)، كما أن قدرته خارقة وكبيرة إلى حد يجعل الموت والحياة تخضعان لسلطانه وسلطته [14] ، وليس اعتباطيا أن يكون الغناء هنا في هذه "الحكاية " هو وسيلة مواجهة هذا العائق الطبيعي( النهر) والتغلب عليه !  

    ويتجسد هذا الانتصار على قوى الشر ورموزه بصورة أوضح في سيطرة الشيخ رحال البدالي على الأسد وتطويعِه له ، إذ تـروي الحكايـات

أن

المزيد





 الخيال حقيقة لا تفنى