Yahoo!

تصدير د. عباس أرحيلة لكتاب التخييل والشعر

يوليو 26th, 2011 كتبها يوسف الإدريسي نشر في , شهادات وقراءات

 

                                                  

 

بقلم فضيلة العلامة الجليل الدكتور عباس أرحيلة


بسم الله االرحيم الرحيم

 

يقع هذا البحث في إطار النظر في حقيقة الإبداع الشعري عامة، وفي تحديد الجانب الخيالي منه خاصة، و بداية التفاعل بين الفكريْن النقديَيْن: العربي واليوناني، عن طريق الترجمة، بشكل أخص. وهي لحظة وتأسيس لهوية ثقافة إسلامية عربية؛ تعتدُّ برؤيتها للوجود، وتسعى في إصرار إلى تدوين معارفها وترسيخ كيانها الحضاري. حضارة استصفى دينُها الإسلاميّ جوهرَ الديانات السابقة، وأرادت أن تستصفيَ – بدورها - ما في الحضارات السابقة من علوم ومعارف.

وتلك لحظة من تاريخ الثقافة الإسلامية العربية اكتنفها شيء من الغموض، شأن لحظات التكوُّن والنشأة في تاريخ الحضارات. ومن شأن ذلك أن يُثار - في العادةً - سؤال أصالة تلك الثقافة، ومدى تفاعلاتها مع سابقاتها؛ أخذاً وعطاءً، تبعيةً وتجاوزاً.

وتأتي «حفرية» -. مولاي يوسف الإدريسي بحثاً عن مفهوم التخييل الشعري، خلال لحظة التأسيس تلك، حين شرعت المصطلحات تنبثق وتتوالد وتتنامى وتتكاثر في حقول المعرفة عامة، وفي حقل الشعرية العربية خاصة.

         ومن أجل أن يُجلي الباحث مفهوم التخييل أثناء نشوء المصطلحات وانبثاقها في فضاء الشعرية العربية؛ اتجه صوب النصوص المترجمة من اليونانية إلى العربية، خلال العهود الأولى لهذه الترجمة.

ويتبادر إلى ذهن القارئ سؤال:

 لمَ اتخذ الباحث هذه الوجهة، وراح يبحث عن مفهوم التخييل في فترة كانت تتحدّد فيها معالم الثقافة الإسلامية العربية عن طريق تدوينها، وتقنين مكوناتها؟ فترة كانت فيها اللغة العربية تواجه أكثر من تحدّ من خلال تدوين العلوم الإسلامية بفروعها المختلفة، وتدوين علوم العربية، وتدخل معترك الترجمة من لغات لا قبل لها بها؛ لغات فقدتْ عنفوانها، وحضور أصحابها في التاريخ، وليس فيها من المعاجم ما يُساعد على فهمها.

 

 

 

فما كانت غاية الباحث مولاي يوسف الإدريسي؟

 

 

 

كانت غايته:

 

 

1 - أن ينطلق ممّا نَحَتَهُ التراجمة الأوائل من ألفاظ عربية  اتخذت دلالات اصطلاحية يونانية، اصطدم بها اللسان العربي في عهوده الأولى من الترجمة.

2      -  وأن يَتَبيَّنَ الصورة « التي اتخذتها هجرة مفاهيم الشعرية الأرسطية إلى الفلسفة الإسلامية»، والكيفية التي اتخذتها مصطلحاتها في هجرتها تلك.

3      - وأن يكشف عن التَّشَكُّلات الأولى لمفهوم التخييل، والصّيَغ البيانية التي اتخذتها من حقول  معرفية لها علاقة بالخيال في مجال الشعر.

فإلى أي شيء كان يرمي الباحث بحفْره هذا لاستكشاف مفهوم التخييل؟

ولمَ ذهب يبحث عن البذور الأولى لنشأة هذا المفهوم لدى التراجمة الأوائل؟

أراد د. مولاي يوسف:

1      - الإسهامَ في « الكشف عن ماهية التخييل وبيان خصائصه الوظيفية»، في مجال التفكير والإبداع.

2      - تتبعَ المفهوم في الفكر العربي بـ « رصد التحولات التي طرأتْ على البنية الدلالية والخصائص الوظيفية للاستعمالات اللاحقة للمصطلح، وبيان مدى التطور الذي لحقه في سيرورته التاريخية والتداولية» [ص18] [1].

3      - والأهم من ذلك، أراد أن يجعل البحث في لحظة التشكل هذه؛ هو المنطلق في تحديد جهود الفلاسفة المسلمين في نظرتهم إلى حقيقة التخييل أثناء الشرح والتلخيص للأثر الأرسطي؛ ومن ثم جعل البحث في هذا الجانب الأساسَ في الكشف عما أسهم به الفلاسفة في تحديد هذا المفهوم.

ولماذا تحديد جهود الفلاسفة في حقيقة التخييل؟

 لأن الدراسات التي تناولت مفهوم التخييل عند الفلاسفة المسلمين؛ اعتبر أصحابُها الفارابي أولَ من استعمل كلمة «تخييل» في شرحه لكتاب الشعر لأرسطو، بل ومنهم من اعتبر ابن سبنا (429هـ) أول من وظف المفهوم. وترتَّبَ على هذا القول، أن صار مفهوم التخييل مرادفاُ للمحاكاة ؛ فاختلط المفهومان لديهم.

من هنا جاءت أهمية البحث في هذه الفترة المتقدمة؛ لـ « أن كثيراً من التصورات والمصطلحات التي قدمها أولئك الفلاسفة، لم تكن كلها وليدة اجتهاداتهم الشخصية؛ ولكنهم كانوا ينطلقون فيها من المترجمين والشراح الأوائل للفلسفة اليونانية، وقد ظلوا تابعين لهم في كثير منها، بالرغم من أنهم يعتبرون أكثر فهماً واستيعاباً لها منهم» [ ص51].

ومن هنا أرجع الباحث سبب هذا الخلط بين التخييل والمحاكاة في جهود الدارسين، إلى إغفالَ دور المرحلة الأولى من الترجمة مع حنين بن إسحاق (298هـ) وقسطا بن لوقا (300هـ).

ومن أجل ذلك، حاول الباحث أن يقدم صورة دقيقة لكيفية التفاعل بيت التراثيْن اليوناني والعربي؛ فعاد إلى لحظة صدام اللسان العربي بغيره أثناء معاناته لتجربة الترجمة، وبداية انتقال المعاني عبر ألفاظ تصبح بمثابة مصطلحات؛ وتلك كانت  لحظة عنفوان الذات العربية الباحثة عن تأسيس كيان إسلامي؛ يستوعب الآخر بما تنتظم به حركة الوجود، ولا يتناقض مع هُويته.

من هنا، ذهب يبحث في النقول التي تمتد من الكندي (152هـ) إلى متّى بن يونس (328هـ)؛ باعتبار أن الأول كان من أوائل الذين عاصروا إنشاء بيت الحكمة، وأوائل ممن تفلسفوا من العرب، وكانت له سياحات في مجالات المعرفة الإنسانية عامة، والأرسطية خاصة، وممن تمّ في زمانهم تطويع اللسان العربي لنقل الأفكار الفلسفية، وانتقال المفاهيم اليونانية، أما الثاني فقد بقيت ترجمته لكتاب الشعر معتمدة إلى يومنا هذا، وفيها ظهر مصطلح «التخييل» بعد أن خرج من دلالته العامة إلى دلالته الخاصة.

 وبجعل د. مولاي يوسف هذه المرحلة الأساس في قراءة جهود الفلاسفة المسلمين في تناولهم للتخييل؛ يُقدم إسهاما جديرا بالتقدير والاهتمام في إطار الدراسات التي تناولت مقولة التأثير الهليني في البيان العربي عامة، والتي تناولت مفهوم التخييل بشكل خاص. ويُعدُّ ما قدمه د. يوسف في كتابه هذا لبنة هامة في صرح هذه الدراسات، وفتحا لمجالات البحث فيها، وإضافة بمراجعته لما كُتب عنها.

ولا شك أن الكيفية التي انتقلت بها الفلسفة اليونانية، في العهود الأولى، إلى فضاء الفكر العربي ما يزال يعتريها كثير من الغموض إلى يومنا هذا. وهو غموض ناجم عن صعوبة توثيقها وتحديد ملامحها؛ بتعيين الكتب المنقولة، وتواريخ نقلها، وأسماء نقلتها، وما أُعيد من نقلها وتصحيحها في أزمنتها الأولى، وتحديد موضوعاتها بالتدقيق العلمي اللازم، وكيفيات نقلها وعَدَد ما أعيد من ترجمتها، وما تضمنته الترجمات عامة من تعليقات عليها.

وفي هذا السياق  يُلاحظ أنه بدخول العرب إلى المجال البيزنطي والساساني، أصبحت العلوم اليونانية القديمة قريبة من مجال العالم الإسلامي. وأصبحت المراكز القديمة ( الرُّها، نصّيبين، جند يسابور) على مشارف الجزيرة العرب، وعلى مقربة من العاصمة الأموية.

 ومنذ عهد أنوشروان (531 – 579م) أصبحت جند يسابور (غربي إيران) أهم مركز ثقافي نزح إليه « علماء الإغريق من أثينا عندما أغلق جستنيان جميع المدارس الفلسفية، في عام 529م، فالتقوا هناك بعلماء السريان والهند والفرس؛ فنجم عن هذا نشاط علمي كان له أهمية في تقدم الفكر الفلسفي»[2]:

ويبدو أنه منذ القرن الثالث الميلادي أخذت المصطلحات الآرامية والسريانية تحل محل المصطلحات الإغريقية. ولما كان السريان هم حلقة الوصل بين الثقافتين اليونانية والعربية، وأن النقل كان عن طريق السريانية في الغالب؛ فإن العربية واجهت اصطلاحات إغريقية عَبَرَت الآرامية والسريانية، ولا قبَلَ للعربية بمعانيها، وطرُقها في الأداء البياني.

وذكر صاحب « مسالك الثقافة الإغريقية إلى العرب« أن رجال جنديسابور تعوّدوا أن يدرسوا العلم الإغريقي في صورة ترجمته السريانية، وأن أول معلومات حصل العرب عليها عن أرسطو؛ كانت من المصادر السريانية، واقتصرت على مؤلفاته قي المنطق، وقد أعيدت ترجمتها إلى السريانية وكانت عليها تعليقات كثيرة. وقال:« ومما يستحق الملاحظة أن ترجمات سريانية أحسن وأحدث كانت تُعَدُّ في الوقت الذي كانت تعد فيه الترجمات العربية، وقد دامت الترجمة إلى السريانية طالما بقيت مدرسة جنديسابور»[3].

ويبدو أن اللغة العربية بدأت في تجاذب مع بقية اللغات الأخرى  عن طريق ترجمة الطب، منذ العهد النبوي؛ فقد ذكروا أن الحارث بن كلدة الطبيب المتوفى سنة 33هـ؛ كان أكفأ مجموعة من التراجمة، ثم جاءت حركة نقل ثانية في مجال الكيمياء على يد خالد بن يزيد بن معاوية (85هـ).

ولكن حركة الترجمة لم تنطلق بشكل رسمي إلا  مع انطلاقة الدولة العباسية، وجاء طورها الأول مع خلافة أبي جعفر المنصور (136 – 158هـ) إلى نهاية خلافة الرشيد (193هـ). ثم جاء طورها الثاني مع بداية ولاية المأمون (198هـ) وامتدّ هذا الطور إلى سنة 300هـ.

وخلال عهد المأمون (198 – 218هـ)، اشتدّ الاهتمام بالترجمة، وبلغت أوج تنظيمها داخل بيت الحكمة. وخلاله ظهر الكندي (252هـ)، واعتُبر أول فيلسوف عربي؛ لأن الفلسفة كانت إلى عهده وقفاً على غير العرب. وفيها أصبح أبو زيد حنين بن إسحاق (194 – 260هـ) يمتلك ناصية أربع لغات، وصاحب مدرسة في الترجمة؛ يُوزن ما يُترجمه ذهباً، ويُشهد له بالإتقان والفصاحة فيما يُترجمه، وبالتدقيق في مراجعة ما تُرجم  ويُترجَمُ من غيره. ويأتي ابنه وتلميذه أبو يعقوب إسحاق بن حنين (215 – 298هـ)، - كما يقول النديم - « في نجار أبيه في الفضل وصحة النقل من اللغة اليونانية والسريانية، وكان فصيحاً في العربية يزيد على أبيه في كان»[4]

وأثناء القرن الثالث أصبحت الترجمة تخضع للمراجعة ودقة الأداء البياني، وتسير وفق أصول وقواعد تُوافق روح اللغة المنقول إليها، على عادة ذلك الزمان، بالرغم مما اعتراها من خفوت في بعض لحظاتها.

ولاحظ

المزيد


عتبة إلى عتبات يوسف الإدريسي

يوليو 26th, 2011 كتبها يوسف الإدريسي نشر في , شهادات وقراءات

 

 بقلم : دة/ روفيا بوغنوط-

أستاذة البلاغة والنقد المعاصر جامعة أم البواقي الجزائر


العتبات النصية بأجناسها الخطابية أول ما يشد البصر ،وقد تكون آخر شيء يبقى في الذاكرة حين ننسى النص يظل العنوان وهو واحد من بين عتبات النص يلفح الذاكرة يصر على البقاء
تحملنا هذه العتبات أو ما يصطلح عليه بالنصوص الموازية إلى متاهات التأويل تشدنا إليها، فأنى لنا أن نفلت من قبضة ذلك الإغراء والإغواء الذي لا ينتهي ، كلما اعتقدنا أننا تحررنا منها عادت وطوقتنا راسمة أمالا عراضا ، تقدم لنا قرابين العشق حتى لا ننسى لذة القراءة واللقاء،إنها فخاخ للعشق تحشد الأفكار وتشدها إليها، في كل ذلك تذكرنا أنها أهدتنا مفتاحا للدخول وفي الوقت نفسه تطالبنا بضريبة هذا الدخول ، ففي النهاية إقامتنا غير شرعية مادامت القراءة قراءات متعددة، قد تمنحنا تأشيرة سفر بلا رجعة تاركة إيانا نتخبط في متاهات التأويل بلا هوادة حتى ندرك أن ليس كل العتبات النصية حاملة لامتياز الشعرية، فكثيرا ما نلتقي بعتبات ونصوص موازية بلا نوايا دلالية
النص الموازي "أفق قد يصغر القارئ عن الصعود إليه وقد يتعالى هو عن النزول لأي قارئ"1 ، حقل معرفي أخذ اهتماما كبيرا في الدراسات النقدية المعاصرة ،وكتاب الدكتور الناقد يوسف الإدريسي"عتبات النص بحث في التراث العربي والخطاب النقدي المعاصر "الصادر عن منشورات مقاربات سنة 2008، يندرج فيسياق حركة نقدية هامة لعبت فيها الدراسات المغربية دورا هاما " في جعل هذه الحركة تبلور تعاقدا متناميا بالالتزام بالمعرفة والمنهج في تهيئ وضعية علمية تسمح بإنتاج التراكم النقدي"2 ،وهذه الجهود النقدية المعتبرة –ربماتمنح الباحث ما يحرره من ضبابية الرؤية، فالعتبات محافل نصية قادرة على إنتاج الدلالة من خلال عملية التفاعل وإقامة علاقة جدلية بينها وبين النص الرئيس.
من اللافت أن الإدريسي سيج كتابه "عتبات النص بحث في التراث العربي والخطاب النقدي المعاصر" بعتبات نصية كان مركز ثقلها الإنتاجي الخطابالمقدماتي الذي عادت دباجته إلى ناقدين هما "عبد الجليل الأزدي " و القاص والروائي الناقد جمال بوطيب، وقد شكلت كلتا المقدمتين خطابا نقديا بينا ، حيث سعى الأزدي في تلك العتبة التي عنونها "بلاغة الاجتياز" والتي يرى بأنها "لا تقوم في العبور من العتبات إلى النص ، أو من الفاتحة إلى الخاتمة ، ,إنما في العبور بين النص والقارئ، بين الداخل والخارج، بينالفني والجمالي، بكيفية مفتوحة ديمقراطية وإيجابية ومناقضة لإعادة إنتاج النص المغلق،"3 إلى تبين ما لهذا المحفل النصي من أهمية وإن كنا ألفينا عبد الجليل الأزدي يفرد حديثه بشكل مستفيض لعتبة واحدة وهي عتبة "البداية السردية" مدرجا معها الخواتم خصوصا "أن النثر السردي التخييلي شكل مجالا مفضلا ومتميزا لهذا عبر إضاءة واستجلاء تكنيك كتابي على نحو شعائري غالبا ، وهو التكنيك الذي يطلب الوصف في المقام الأول والمساءلة والتأويل بعدذلك "4، ومما يحسب للإدريسي حسب قول عبد الجليل الأزدي أن مقاربته تقع "ضمن هذا الشكل من العبور والاجتياز… التي جمعت بين المشاغل النظريةودراسة حالة محددة ،علاوة على أنها صيغت في سياق أكاديمي جامعي يعود إلى بداية التسعينيات ، وذلك قبل أن تنبري العديد من المصنفات للاهتمام بهذاالموضوع "5 ويشير الأزدي إلى جهد عدد من الأساتذة في الجامعة المغربية كان لهم السبق في نهاية السبعينيات في الاهتمام بهذا الحقل المعرفي وإن كانت كما يقول "ظلت رهينة التقاليد الشفوية"6 لأنها شكلت مجموعة محاضرات ألقيت على الطلبة ولم تخرج عن هذا السياق ، ونعتقد أنه جهد طيب لو كتبت له الطباعة ، كان ليضيف إلى الدرس النقدي المغربي والعربي الكثير.وعموما لم تخرج مقدمة الأزدي عن البيان النقدي -على اقتضابها - وشكلت عتبة مهمةلعتبات الإدريسي.
ثاني عتبة مقدماتية حظيت بها عتبات الإدريسي كانت من توقيع القاص والروائي جمال بوطيب والتي يعنونها هو الآخر بعنوان لافت –وكأننا به قد تواطأ مع الأزدي في وضع عناوين لافتة للمقدمات- " الانتباه المزدوج" مقدمة /عتبة كتبت بنفس نقدي بعيد عن التقريظ- وهو هنا يتفق مع عبد الجليل الأزدي - الذي عادة ما يلازم كتاب المقدمات خصوصا حين تكون بين المقدم والمقدم له /المؤلف سابق معرفة أو صداقة ،مما يحول بعض المقدمات إلى خطاب حجاجي دفاعي ينحاز لصاحب المتن الروائي أو الشعري أو النقدي وهي مقدمات تقريظية لا تضيف للنص شيئا ،أول ما افتتح به جمال بوطيب خطابه المقدماتي كلمات لفيلب لان "ينبغي أن ننتبه إلى النص الموازي وأن ننتبه منه "7 هو نفس التحذير الذي قدمه جيرار جينت " علينا أن نحذر العتبات"*مفاد هذا التحذير أولفت الانتباه حسب بوطيب يعود إلى "أن دراسة المتوازيات هي دراسة لمنطقها ، وثانيا أن الاهتمام بها ينبغي أن يكون دونما مبالغة ، أي أنه يعي ازدواجية الاهتمام بالمناص إن خطورة أو استسهالا، فلا يمكن المروق أمام عتبة نصية ، كما لا يمكن بالمقابل إيلاؤها أكثر مما تستحق"8 ، وبوطيب بكلامه هذا لم يجانب الصواب وربما- لنا 
أن نتفق معه ، لكن ما يلفت الانتباه استعماله لثلاثة مصطلحات دفعة واحدة مما يجعل منها
بالضرورة مقابلا للمصطلح الأجنبي() وهي المتوازيات ، المناص ، العتبة النصية ، وهو ما يعكس فوضى المصطلح في النقد العربي وعدم وجود مصطلح واحدللمقابل الأجنبي ، وإن كنا لسننا بصدد الحديث عن إشكالية المصطلح لكن نشير إلى هذا الإشكال من باب لفت الانتباه حتى نحذر هذه الفوضى
يشيد جمال بوطيب بجهد الإدريسي الذي قدم اشتغالا تطبيقيا على نص روائي عربي " الآن..هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى" للروائي عبد الرحمن منيف"رواية بالغة وبليغة : بنيانها مرصوص وعمقها مخصوص وعتباتها فصوص ، وهي قبل كل هذا نص لاحق لنص سابق هو يتيمة دهر أدب السجون المسماة "شرقالمتوسط" "9 ، لقد قدم يوسف الإدريسي بكتابه هذا اشتغالا مزدوجا بين "التنظير والممارسة من جهة ، والتنظير الغربي والعربي من جهة ثانية ، والوعي بالاكتمال النظري في التراث العربي من جهة ثالثة، مواطن تجعل بحث الباحث الدكتور يوسف الإدريسي بحثا يحقق بعد نظر يسمح للقارئ بمساءلة المتن التطبيقي بهدوء" 10 والحق يقال إن جهد الإدريسي في الإحاطة بعتبات النص بوصفها عناصر نظرية في الثقافة العربية الإسلامية جدير بالإشادة.
ومما يضاف للناقد أيضا وعيه باشتغال العتبات "فلم يغرق في الاهتمام بالعتبات ، ,إنما جعلها مكونا تحليليا لا ينبغي تجاوزه مع احتراز منها باعتبار بعض من مكوناتها –إن لم نقل كلها –
مقاطع إديولوجية بتعبير بارثي"11 فالنص الموازي/العتبات خطاب أساسي ومساعد سخر لخدمة شيء آخر هو النص، هذا ما أكسبه بعدا تداوليا و قوة انجازية وعلى "الباحث أن يعي حدودها وتطبيقاتها ومرجعياتها "12 و الإدريسي حسب ما قدم به جمال بوطيب قد وفق في الانتباه إلى الازدواجية التي تلف العتبات النصية و"لعل أهم ما يميز الكتاب هو سعي مؤلفه إلى خلق تآلف بين الدلالي واللساني في خلق السرديات من خلال مكون هو العتبات .. بتفاصيلها الصغرى من عناوين وعناوين داخلية ، ومقتبسات ووظائفها"13 لقد عمل بوطيب على تتبع إشغال الإدريسي على العتبات النصية في الخطاب السردي فقدم بالمقابل خطاباتقديميا نقديا -على اقتضابه- وعتبة نصية عملت على الوشاية باستراتيجية الكتابة عند يوسف الإدريسي 
ثالث عتبة تصادفنا داخل هذا المتن النقدي عتبة التقديم الذاتي الجدير 

المزيد


انطباعات حول كتاب عتبات النص للأستاذ يوسف الإدريسي

يوليو 26th, 2011 كتبها يوسف الإدريسي نشر في , شهادات وقراءات

 

 


فضيلة الأستاذ: د. علي المتقي
(http://moutaki.jeeran.com)

 

                                                                    

        كتاب عتبات النص كتاب أهداه إلي  الباحث الشاب يوسف الإدريسي  مشكورا ، ورد جميل هدية كهذه يكون بقراءة الكتاب وإبداء الرأي فيه ،  لا من باب الأستاذية ـ معاذ الله ـ  وإنما من باب الزمالة و الصداقة والحب المتبادل بين الأصدقاء و الزملاء .

بعد قراءة هذا الكتاب قراءة متسرعة بدت لي هذه الانطباعات الأولية التي يمكن أن تكون أيضا متسرعة وغير دقيقة، لكنها تعكس حبي للموضوع وللكتاب وصاحبه .

1 ـ اسم المؤلف

   ابتدأ الباحث يوسف الإدريسي قراءته  لعتبات رواية "هنا .. الآن…أو شرق المتوسط مرة أخرى" لعبد الرحمان منيف  مما أسماه الإسناد. والإسناد مصطلح حديثي قبل أن يكون مصطلحا بلاغيا، ولا يفيد دائما  في الحديث أو في البلاغة  أن المسند  هو فاعل الفعل. فقد يكون ناقلا أو راوية، لذا أفضل مصطلح الكاتب أو المؤلف الذي يفيد في الاصطلاح الأدبي كاتب العمل ومؤلفه ومبدعه . فهل تفيد هذه العتبة دائما،  وكيف تفيد ؟

     إن هذه العتبة  تفيد إذا كان المؤلف اسما حجة في تخصصه، وفي هذه الحالة، سيكون لها  وظيفة الإثارة والجدية  والمصداقية واختمار الرأي، مما يساعد على حسم التردد في شراء الكتاب. وقد يكون اسم المؤلف ماركة مسجلة لكنها ذات سمعة عكسية منحطة، وفي هذه الحالة قد تكون هذه العتبة وبالا على الكتاب.  أما إذا كان اسم المؤلف غير متداول في الأوساط النقدية، إذ ذاك يكون محايدا ، وتنحصر وظيفة هذه العتبة  في تحقيق التراكم  ليصبح الاسم ذات قيمة علمية وثقافية في مجال اختصاصه .

      قد لا أكون عارفا كقارئ عاد بحياة عبد الرحمان منيف الشخصية، ولا قرأت رواياته أو بعضها، لكن موقف النقد منه جعله يتصدر مكانة مرموقة في الإبداع الروائي، وأقنع القارئ العربي بهذا الحكم. من هنا، فالذي يحدد قيمة المؤلف ليس هو كتاباته وحدها عند جمهور القراء غير المتخصصين، ولكنه موقف النقد منه، وموقف الثقافة المدرسية والجامعية  التي تعد بمثابة اللوحة الإشهارية التي تُعلق عليها قيمة هذا الكاتب أو ذاك،  أو هذا العمل أو ذاك.  من هنا فهذه الكتابات هي التي يمكن أن تكون المتن الذي يجب أن يحدد لنا قيمة المؤلف لا حياته الشخصية ، ولا عرض كافة أعماله  الأدبية وغير الأدبية، ولا خصوصية هذه الأعمال التي يجهلها القارئ غير المختص عادة . فما هي مكانة هذا الاسم في الثقافة العربية؟ وما مدي حضوره كاسم في المجلات والصحف الثقافية ؟ وما مدى حضوره في الثقافة المدرسية والجامعية .

           إن عبد الرحمان منيف  اسم له حضور ثقافي متميز في مجال الكتابة الروائية، احتفى به النقد الصحافي والنقد الأكاديمي، ولا تذكر الرواية العربية والروائيون العرب إلا وتصدر لائحة الروائيين الكبار المتميزين. لذا فهو مبدع حجة لما حققته كتاباته الروائية السابقة من سمعة طيبة.

     العنونة :

       نجح يوسف الإدريسي في مقاربة أسلوبية للعنوان فحلل مكوناته " (هنا) و نقط الحذف و( الآن) و حرف العطف( أو) و (شرق المتوسط مرة أخرى)  واللون .  لكنه في تحليله هذا  يقدم تفسيرا  وتأويلا لنتائجه بالعودة إلى النص الروائي، دون الالتفات إلى الوظائف التي حددها  في فصله الثاني المتعلق بالتنظير الغربي، وبشكل خاص وظيفة الإثارة ، وهي وظيفة لا تجد تأويلها وتفسيرها في المتن الذي لم يقرأ بعد، بل في  غموض مكونات العنوان وشعريته التي تفتحه على تأويلات شتى تهم القارئ وتغري فضوله، وتخلق لديه شهية القراءة. وهذا ما حققته الإشاريات (هنا)  ونقط الحذف و(الآن). لقد ذكر الكاتب الزمان والمكان وأخفى الفعل ليعلن ضرورة قراءة الرواية لإشباع الفضول .

   وحتى  يغري قارئه أكثر، ويحكم عليه الطوق، ولا يسمح له بالتبرم، يضيء هذا الغموض الذي يكاد  يكون معتما لإبهاميته بالإشارة إلى شرق المتوسط مرة أخرى . وهو شرق معلوم في الرواية الأولى، لكن هذه الرواية بالتأكيد تقدم فعلا آخر من الأفعال التي تميز شرق المتوسط، قد يكون فعلا نقيضا للفعل الأول، وقد يشترك معه الحقل الدلالي نفسه،، لكن عبارة مرة أخرى توحي بالتماثل بين الفعل الأول الذي تتحدث عنه الرواية الأولى والفعل الثاني الثاوي في الرواية الثانية.

    وقد أشار الإدريسي إلى غياب الفعل في عتبة العنوان وفسر هذا الغياب بتماثل  كل البلاد العربية  وتشابهها من المحيط إلى الخليج في هذا الوضع . وهو تأويل غير مقنع، لأن التماثل في الأمكنة لا يكون بالفعل، وغياب الفعل هنا، قد يكون دلالة  على السكون وعدم التغيير بين  شرق المتوسط في زمن الرواية الأولى وشرق المتوسط في زمن الرواية الثانية.

       إن غيابه غياب للتحول في الزمن بين الأمس واليوم ، وليس غيابا له في المكان ، فالمقارنة إذن تكون بين زمنين وليس بين مكانين.

   وقد أبدع  الإدريسي في تحليل أيقونة الغلاف التي توحي بعالم السجن والتعذيب الذي يمارس فيه .

     وتبقى ملاحظة بسيطة  حول هذا التحليل تتعلق بالاستشهاد بالنص لتأكيد تأويلاته، والواقع أن قيمة العتبات تكمن في ما توحي به من احتمالات  تثير في القارئ شهية القراءة ، وهذا يتحقق قبل قراءة  نص الرواية ، وبذلك ينبغي قراءة  صورة الغلاف ـ بوصفها عتبةـ لها وظائف معينة باستقلال عن الرواية .

المقتبسات

المزيد


بلاغة الاجتياز

يوليو 26th, 2011 كتبها يوسف الإدريسي نشر في , شهادات وقراءات

 

 

تصدير  د. عبد الجليل بن محمد الأزدي

 

 

 

في مستهل كتاب دروس ابن يوسف ، سطر العالم الجليل أحمد نوفل بن رحال برنامجا نسقيا ومنظما للدراسات القرآنية، أشار في سطوره –ضمن إشارات أخرى- إلى أن معرفة فواتح السور وخواتمها شكلت أحد المباحث النوعية في الثقافة العربية الإسلامية. وتفيد هذه الإشارة أن الاهتمام بعتبات النص المقدس وبهوامش النصوص الدنيوية قديم في حقلنا الثقافي، غير أن ما تمخض عنه لا يتجاوز بعض العناصر النظرية التي لم ترقَ إلى مستوى الاتساق، ولم تبلغ الوضوح الضروري المطلوب.

 وفي بحر العقد السابع من القرن المنصرم، أخذت طائفة من الدراسات في الانكباب على بعض مواقع النص الأدبي المتميزة وذات المزية في شأن إخبار القارئ وإبرام ميثاق القراءة، وذلك انطلاقا من قناعة مفادها أن ليس النص امتدادا لا شكل له، بقدر ما يمتلك مجموعة من المداخل والمخارج والمنافذ التي تتيح العبور إليه واجتيازه ومغادرته، وتنبه القارئ إليه وعليه. وقد تم تعميد المواقع هذه تحت أسماء هوامش النص (هنري ميتران)، العنوان ( شارل كريفل)، العتبات ( جيرار جنيت)، وهو ما قد نقصده بوجيز القول في الفاتحة والخاتمة والنص الموازي.

ومن الأكيد أن سؤال هذه المواقع ومساءلتها ارتقيا إلى مصاف الأسئلة الجوهرية والإشكالية مترافقين مع أسئلة الضفاف والكتابة والبنية والدليل والنص والخطاب؛ وإذا كانت هذه الأسئلة قد طرحت في حقل النقد الأدبي بمختلف ساحاته وتوجهاته ، فإنها تعثر على كامل قوامها التفسيري في التاريخ الحديث والمعاصر ، إذ تزامنت مع صعود رأسمالية الدولة الاحتكارية وبزوغ مفهوم الاختصاص المعرفي الضيق  وبروز وتَسَيُّد المثقف التقني الذي يشكل في حقل الرأسمال الرمزي استطالة للسياسي التقنوقراطي. وإذا كان هذا الترابط ضروريا ، أي طبيعيا ، فمن الطبيعي كذلك أن النثر السردي التخييلي شكل مجالا مفضلا ومتميزا لهذا عبر إضاءة واستجلاء تكنيك كتابي على نحو شعائري غالبا، وهو التكنيك الذي يطلب الوصف في المقام الأول والمساءلة والتأويل بعد ذلك، بحثا عن استكشاف مسوغات ودلالات استعمالها في علائقها بالنص الروائي ووضعه كشكل أدلوجي متميز .

وعند المتابعة العابرة، والناقصة بالضرورة، لثلة من الأولين والآخرين الذين انشغلوا بمقاربة وإضاءة النصوص الموازية لنص الرواية بصفة خاصة ، تستعلن بعض الملاحظات التي تقف عند ظاهر الأمـور ولا تذهب إلى عمق الأشياء :

أولا – انشغلت هذه الدراسات واشتغلت بمتون سردية تختلف على صعيد السعة والحجم ، فمنها ما انكب على دراسة رواية واحدة أو خمس روايات أو ثمانية ، ومنها ما انصرف للاهتمام بعشرين رواية كما في حالة آل روجون ماكار ، ومنها ما استثمر مائة نص سردي كما في حكاية فلاديمير پروپ مع الحكايات الروسية العجيبة، ومنها ما انحاز لخيار التوسع والتوسعة، فاهتم بمجال مترامي الأطراف يستطيل إلى مائتي رواية ، كما في حالة السيد گريفل ضمن كتابه : إنتاج الفائدة الروائية. لكن، لابد من التنبيه على أن النصوص الروائية التي طالها الاهتمام تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، أي إلى ما يسمى العصر الذهبي للرواية، والذي وشمته أسماء : أونوريه ده بلزاك، إميل زولا، ألفونس ضوضيه، ألسكندر دوما ، گوستاف فلوبير، مارسيل بروست، هنري جيمس، ألان روب گرييه، جان ريكاردو، نتالي ساروت …وغيرهم .

ثانيا – إن نسبة كبيرة جدا من هذه الدراسات اهتمت فقط بنص روائي واحد لا غير، منتسبة بذلك، سرا أو علانية، لنمط من الدراسة ذاع صيته تحت اسم : دراسة الحالة، وهو النمط الواقع بين مطلب التعميم ومطلب اختبار المصداقية والملاءمة، مع ما يستتبعه هذان المطلبان من أسئلة جوهرية يستحيل غض النظر عنها. ومن الواضح أن بحث الدكتور يوسف الإدريسي يقع تحت هذا النمط، طالما أنه اختار في قسمه الثالث الاشتغال على عتبات حالة محددة ممثلة في رواية الكاتب العظيم عبد الرحمن منيف: الآن…هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى .

ثالثا – ضمن الدراس

المزيد





 الخيال حقيقة لا تفنى